من تمثال الحرية إلى «دبلوماسية الباندا».. هدايا صنعتها السياسة وحكتها العلاقات بين الدول

ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج


كتبت شيماء حمدالله 


لا تقتصر الهدايا الدبلوماسية على كونها مجرد مجاملات رسمية بين قادة الدول، بل تحمل في كثير من الأحيان رسائل سياسية ورمزية تتجاوز قيمتها المادية. فمن تمثال الحرية الذي قدمته فرنسا للشعب الأميركي، إلى دببة الباندا الصينية التي تحولت إلى رمز لما يعرف بـ«دبلوماسية الحيوانات»، تكشف هذه الهدايا عن حسابات دقيقة تتعلق بالمصالح السياسية والصورة الذهنية والعلاقات بين الشعوب.


ويعود استخدام الهدايا لأغراض سياسية وعسكرية إلى عصور قديمة، ويبرز «حصان طروادة» في الأساطير القديمة باعتباره أحد أشهر الأمثلة على توظيف الهدية لتحقيق أهداف تتجاوز ظاهرها. ويرصد الدبلوماسي البريطاني بول بروميل هذا التاريخ في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان «الهدايا الدبلوماسية: تاريخ في 50 هدية»، الذي يستعرض مسار استخدام الهدايا كأدوات سياسية ودعائية منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث.


وبحسب صحيفة «الغارديان»، أصبحت الهدايا الدبلوماسية في الوقت الحالي أكثر تواضعاً مقارنة بما كانت عليه في الماضي، عندما كانت الهدايا جزءاً من حسابات الملوك والحكام، الذين كانوا يحرصون على تقديم أشياء فاخرة ولافتة تحمل دلالات سياسية وتاريخية.


تمثال الحرية.. هدية فرنسية تحمل رسالة سياسية


يُعد تمثال الحرية، المعروف أصلاً باسم «الحرية تنير العالم»، من أبرز الهدايا السياسية في التاريخ الحديث. فقد صُنع في فرنسا وأُهدي إلى الشعب الأميركي في أواخر القرن التاسع عشر احتفالاً بالذكرى المئوية لإعلان استقلال الولايات المتحدة.


ولم تكن الهدية مجرد تعبير عن الصداقة بين البلدين، إذ حملت رسالة سياسية واضحة تتعلق بالدور الذي لعبته فرنسا في مساندة الولايات المتحدة خلال حربها للتحرر من الحكم البريطاني.


وترجع فكرة تقديم التمثال إلى عشاء أقيم في قصر فرساي عام 1865، عندما اقترح السياسي الليبرالي إدوار لابولاي الاحتفاء بالحرية الأميركية، في خطوة كان الهدف منها أيضاً ممارسة ضغط سياسي على الحاكم الفرنسي نابليون الثالث لدفعه نحو تبني إصلاحات سياسية داخلية.


وتبنى النحات فريدريك أوغست بارتولدي المشروع، بعدما كان قد اقترح في شبابه تصميماً مشابهاً لمنارة على هيئة امرأة مصرية عند مدخل قناة السويس، إلا أن المشروع رُفض في مصر بسبب تكلفته المرتفعة.


وتعطل مشروع تمثال الحرية لسنوات بسبب الأوضاع السياسية في فرنسا، قبل أن يُستأنف العمل عليه وينتهي الأمر بنقله مفككاً عبر البحر إلى نيويورك.


ويستضيف متحف أورساي في باريس حالياً معرضاً يستمر حتى نهاية يناير 2027، ويضم قرابة 100 عمل لبارتولدي، إلى جانب تجربة افتراضية تستعرض مراحل تصميم التمثال وبنائه.


دبلوماسية الباندا.. عندما تتحول الحيوانات إلى رسائل سياسية


تُعد دببة الباندا من أشهر نماذج الهدايا الدبلوماسية في العصر الحديث، بعدما أهدت الصين الولايات المتحدة دبين عقب زيارة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972.


وأرست الخطوة نموذجاً عُرف لاحقاً باسم «دبلوماسية الباندا»، حيث تحولت الحيوانات إلى وسيلة لتعزيز التواصل بين الدول وتحسين الصورة لدى الرأي العام.


وعقب وصول الدبين إلى حديقة حيوان سميثسونيان الوطنية، تجاوز عدد زوار الحديقة مليون شخص خلال الشهر الأول فقط، وهو ما ساهم في تحسين نظرة قطاعات من الرأي العام الأميركي تجاه الصين في ذلك الوقت. وفي المقابل، أرسلت واشنطن إلى بكين ثورين من ثيران المسك.


وتكرر هذا التقليد مؤخراً، عندما أرسل الرئيس الصيني شي جين بينغ دبين خلال زيارته إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واصفاً إياهما بأنهما «سفيرا صداقة» إلى إحدى حدائق الحيوان الأميركية.


وفي المقابل، قدم ترامب هدية تمثلت في منحوتة لنسر أصلع، باعتباره رمزاً للولايات المتحدة.


معرض الصداقة في كوريا الشمالية.. الهدايا كدليل على الدعم الدولي


تظهر الوظيفة السياسية للهدايا بصورة أخرى في كوريا الشمالية، حيث يضم «معرض الصداقة الدولية» مئات الهدايا التي قدمها زعماء العالم إلى الزعيمين الراحلين كيم إيل سونغ وكيم جونغ إيل.


وتتنوع الهدايا الموجودة في المعرض بين سيارة مصفحة أهداها الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، وكرة سلة موقعة من نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان قدمتها وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق مادلين أولبرايت.


ويرى مراقبون أن جمع هذه الهدايا وعرضها يمثل وسيلة لإقناع الكوريين الشماليين بأن قادة بلادهم يتمتعون بدعم دولي واسع.


هدايا الملوك.. البعد الشخصي يزيد قيمتها السياسية


يرى دبلوماسيون سابقون أن الهدايا الملكية غالباً ما تحقق تأثيراً أكبر بسبب ارتباطها بأبعاد شخصية وتاريخية.


ويستشهد الدبلوماسي البريطاني السابق بيتر ريكيتس بهدية قدمها الملك تشارلز الثالث للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تمثلت في جرس نحاسي أصلي من غواصة بريطانية تعود إلى الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى أنها حظيت بإعجاب كبير بسبب طابعها الشخصي والتاريخي.


كما تبرز هدية الملكة إليزابيث الثانية للرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان عام 1976، والتي كانت عبارة عن جرو من فصيلة لابرادور، وحظيت باهتمام خاص من الرئيس الفرنسي آنذاك.


أخطاء وإخفاقات محرجة في الهدايا الدبلوماسية


رغم الرمزية التي تحملها الهدايا الدبلوماسية، فإن بعضها تحول إلى مصدر للإحراج بسبب أخطاء في الترجمة أو اختلاف السياقات الثقافية.


ومن أشهر هذه الحالات الزر الرمزي الذي قدمته وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق هيلاري كلينتون إلى روسيا، في إشارة إلى الرغبة في تحسين العلاقات الثنائية. لكن خطأ في الترجمة جعل الزر يحمل كلمة تعني «الشحن الزائد» بدلاً من «إعادة الضبط».


كما انتهت قصة جمل أُهدي إلى الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند خلال زيارته إلى مالي بطريقة مأساوية، بعدما ذُبح وطُهي على شكل طاجين، رغم وعد السلطات المالية باستبداله بجمل أفضل.


هدايا ما زالت حاضرة بعد عقود


لم تختفِ بعض الهدايا الدبلوماسية بانتهاء المناسبة التي قُدمت خلالها، بل تحولت إلى رموز مستمرة للعلاقات بين الدول.


ومن أبرز الأمثلة أشجار الكرز اليابانية التي أهدتها طوكيو إلى واشنطن، ولا تزال تزهر سنوياً، فضلاً عن شجرة عيد الميلاد التي ترسلها أوسلو إلى لندن كل عام، تقديراً لاستضافة بريطانيا الحكومة النرويجية المنفية خلال الحرب العالمية الثانية.


كما تقدم هولندا لكندا بصيلات من زهور التوليب، تعبيراً عن الامتنان لاستضافة أوتاوا العائلة المالكة الهولندية خلال الحرب العالمية الثانية.


وهكذا تكشف الهدايا الدبلوماسية، على اختلاف أشكالها وقيمتها، عن جانب آخر من العلاقات الدولية؛ إذ قد تحمل الهدية رسالة سياسية أو تاريخية أو إنسانية تتجاوز قيمتها المادية، وتبقى أحياناً شاهدة على علاقة بين دولتين لعقود طويلة.