كتبت شيماء حمدالله
تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقاؤه بالرئيس عبدالفتاح السيسي في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر وباب المندب واستمرار التهديدات التي تواجه المملكة، بالتزامن مع مواقف أمريكية تشير إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر في مواجهة الحوثيين.
وقد ركزت المباحثات المصرية السعودية بالفعل على أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب دعم أمن السعودية والتعامل مع الأزمة اليمنية.
وفي هذا السياق، قال حامد محمود، مدير مركز أكسفورد والباحث في العلاقات الدولية والأمن الإقليمي، في تصريحات خاصة لـ«الراية نيوز»، إن الموقف الأمريكي تجاه التطورات الأخيرة يمثل أحد العوامل المهمة التي دفعت السعودية إلى البحث عن ترتيبات وتحالفات إقليمية للتعامل مع التهديدات المحيطة بها.
ترامب والحوثيون.. اتصالات ورفض للمواجهة المباشرة
وأوضح محمود أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن صراحة قبل أيام وجود اتصالات بين إدارته والحوثيين، مشيرًا إلى أن الجماعة تواصلت مع الإدارة الأمريكية بعد التطورات المرتبطة بالسيطرة على باب المندب.
وأضاف أن ترامب أبدى عدم استعداده لخوض مواجهة مباشرة مع الحوثيين، وهو ما يترك، بحسب رؤية محمود، مساحة أكبر أمام السعودية للتعامل مع التهديدات التي تواجهها بصورة مباشرة.
وكان ترامب قد أعلن بالفعل في 12 سبتمبر 2026 أن الحوثيين تواصلوا مع واشنطن وأنهم لا يريدون قتال الولايات المتحدة، بينما أفادت تقارير بأن الرياض طلبت دعمًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا في مواجهة التقدم الحوثي، في وقت فضلت فيه واشنطن تقديم دعم استخباراتي وتخطيط للأهداف بدلًا من الانخراط العسكري المباشر.
السعودية والولايات المتحدة.. تحالف استراتيجي أمام اختبار إقليمي
وقال الباحث في العلاقات الدولية إن السعودية بالنسبة إلى الولايات المتحدة ليست مجرد حليف عادي، وإنما تمثل حليفًا استراتيجيًا على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ويرى محمود أن تراجع الولايات المتحدة عن بعض مهامها الأمنية في المنطقة ليس أمرًا جديدًا، مشيرًا إلى أن واشنطن تراجعت، بحسب تقديره، عن حماية حلفائها في الخليج خلال الهجمات الإيرانية، وركزت جانبًا من قواتها في شرق البحر المتوسط للدفاع عن إسرائيل، وهو ما دفع دول الخليج إلى البحث عن ترتيبات أمنية إقليمية بديلة.
السعودية تبحث عن مظلة أمنية إقليمية
وأشار محمود إلى أن تحركات السعودية باتجاه باكستان في مرحلة، وتركيا في مرحلة أخرى، تأتي في إطار البحث عن مظلة أمنية إقليمية لمواجهة التهديدات الإيرانية بمختلف أذرعها.
وأوضح أن الحديث لا يقتصر على تهديد واحد، وإنما يشمل الميليشيات الموالية لإيران في العراق، إلى جانب تهديدات أخرى ناشئة في منطقة البحر الأحمر نتيجة الصراعات الإقليمية.
وأضاف أن تعدد مصادر التهديد يجعل مسألة بناء شراكات أمنية إقليمية أكثر حضورًا في الحسابات السعودية، خاصة مع تداخل أمن الخليج مع أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.
لماذا اتجه محمد بن سلمان إلى القاهرة؟
وأكد حامد محمود أن توجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي ليس أمرًا مفاجئًا، معتبرًا أن مصر تمثل ركيزة أساسية للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح أن مصر تمتلك، بحسب رؤيته، مقومات عسكرية وجغرافية وسكانية كبيرة، إلى جانب خبرات عسكرية واسعة، مشيرًا إلى التدريبات التي تجريها القوات المسلحة المصرية مع جيوش أمريكية وصينية وأوروبية.
وتأتي هذه الرؤية بالتزامن مع تأكيد الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال لقائه ولي العهد السعودي أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، فضلًا عن تأكيد القاهرة دعم أمن السعودية وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
الجيش المصري وخبرات التعامل مع الأزمات
وتابع محمود أن القوات المسلحة المصرية تمتلك خبرات كبيرة في التعامل مع الأزمات والتحديات من هذا النوع، معتبرًا أن هذه الخبرات تمثل أحد عناصر القوة التي تجعل القاهرة طرفًا مهمًا في حسابات الأمن الإقليمي.
وشدد على أن مصر أعلنت بصورة واضحة أن أمن الخليج وأمن المملكة العربية السعودية يمثلان جزءًا من الأمن القومي المصري، وهو ما يمنح العلاقات المصرية السعودية بُعدًا أمنيًا واستراتيجيًا يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
وتأتي زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة في وقت تتصاعد فيه المخاطر المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، بينما تؤكد مصر والسعودية أهمية ضمان حرية وأمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، في ظل اتساع نطاق التوترات الإقليمية وتأثيرها على أمن المنطقة والتجارة الدولية.





