كتبت شيماء حمدالله
لم يعد تطوير منظومة العدالة الجنائية في مصر مجرد مطلب تشريعي تفرضه السنوات الطويلة التي مرت على القانون السابق، وإنما أصبح ضرورة تفرضها التحولات الدستورية والقانونية والتكنولوجية التي شهدها المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، باعتباره خطوة تشريعية تستهدف إعادة تنظيم قواعد التحقيق والمحاكمة والقبض والتفتيش والحبس الاحتياطي، مع محاولة الحفاظ على التوازن بين حماية المجتمع وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم.
صدر القانون الجديد في 12 نوفمبر 2025، على أن يبدأ تطبيقه اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، ليحل محل القانون رقم 150 لسنة 1950، الذي ظل لعقود الإطار الأساسي المنظم للإجراءات الجنائية، رغم التعديلات المتعاقبة التي طرأت عليه.
قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. فلسفة مختلفة للعدالة
لا تكمن أهمية القانون الجديد فقط في استبدال تشريع مضى على صدوره أكثر من سبعة عقود، وإنما في محاولة صياغة منظومة إجرائية تتناسب مع الواقع الدستوري والقانوني والتكنولوجي الراهن.
وتقوم فلسفة التشريع على معادلة شديدة الحساسية؛ فمن ناحية تحتاج الدولة إلى أدوات فعالة لكشف الجرائم وملاحقة مرتكبيها، ومن ناحية أخرى يجب ألا تتحول هذه الأدوات إلى مدخل للمساس بالحرية الشخصية أو الكرامة الإنسانية خارج إطار القانون.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الإجراءات الجنائية، لأنها تمثل الضمانة التي تحدد كيفية وصول الدولة إلى الحقيقة، وليس الهدف وحده الذي تسعى إليه.
حرمة المسكن.. حماية للخصوصية والحقوق الدستورية
يولي القانون الجديد اهتمامًا بتنظيم دخول المساكن، باعتبار أن حرمة المسكن ترتبط بصورة مباشرة بحرمة الحياة الخاصة وأمن الإنسان.
وقد نظم القانون الحالات الاستثنائية التي يمكن فيها دخول المسكن، ومنها حالات الاستغاثة أو وجود خطر ناشئ عن حريق أو غرق أو غير ذلك من حالات الضرورة، وفقًا للضوابط القانونية.
ويعكس ذلك محاولة لوضع حدود أكثر وضوحًا للاستثناءات، بحيث تظل الحماية الدستورية هي الأصل، بينما تبقى حالات الضرورة في نطاقها المحدد قانونًا.
الحبس الاحتياطي وبدائل تقييد الحرية
يبقى الحبس الاحتياطي من أكثر الملفات حساسية في أي نقاش حول العدالة الجنائية، لأنه يتعلق بتقييد حرية شخص لم يصدر بحقه حكم نهائي بالإدانة.
وفي هذا السياق، يمثل التوسع في بدائل الحبس الاحتياطي أحد الجوانب المهمة في القانون الجديد، من خلال إتاحة تدابير يمكن اللجوء إليها بحسب ظروف كل قضية، متى كان من الممكن تحقيق الغرض من الإجراء دون اللجوء إلى الحبس.
وتشمل هذه البدائل إلزام المتهم بعدم مغادرة نطاق جغرافي محدد، أو منعه من الاتصال بأشخاص معينين، أو منعه مؤقتًا من حيازة أو إحراز الأسلحة والذخائر، إلى جانب بعض التدابير التي تستعين بالوسائل التقنية في الحدود التي يسمح بها القانون.
والرسالة الأهم هنا أن الحبس الاحتياطي ليس عقوبة، وإنما إجراء يرتبط بمقتضيات التحقيق وسلامة سير العدالة وحماية المجتمع.
حق الدفاع.. أساس المحاكمة العادلة
لا يمكن الحديث عن عدالة جنائية حقيقية دون ضمان فعلي لحق الدفاع. فوجود المحامي خلال مراحل الاستجواب والتحقيق والإجراءات المختلفة لا يمثل مجرد إجراء شكلي، وإنما يرتبط ارتباطًا مباشرًا بسلامة العملية القضائية.
ويؤدي الدفاع دورًا أساسيًا في مراقبة سلامة الإجراءات وحماية حقوق المتهم، وهو ما يجعل تعزيز ضمانات الدفاع حماية للعدالة ذاتها، وليس حماية لطرف واحد في الخصومة الجنائية.
التحول الرقمي يغيّر شكل الإجراءات
يمثل تنظيم الإعلان الإلكتروني أحد مظاهر توجه منظومة العدالة نحو الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.
فالتحول الرقمي يمكن أن يسهم في تسريع الإجراءات وتقليل التأخير، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى ضمانات تمنع أن تتحول التكنولوجيا إلى سبب في ضياع حقوق أطراف الدعوى أو تفويت المواعيد القانونية.
ومن ثم، فإن نجاح الرقمنة لا يقاس فقط بسرعة الإجراء، وإنما بقدرتها على تحقيق السرعة مع الحفاظ على الضمانات.
العدالة الناجزة.. السرعة دون الإخلال بالحقوق
تحتاج العدالة إلى سرعة مناسبة، لكن السرعة وحدها لا تصنع عدالة ناجزة. فالحكم الصحيح يجب أن يصدر خلال مدة معقولة، ولكن من خلال إجراءات سليمة تكفل حق الدفاع وتحترم الضمانات القانونية.
وهنا يصبح تطوير الإجراءات واستخدام التكنولوجيا وإعادة تنظيم مراحل التحقيق والمحاكمة أدوات لتحقيق العدالة الناجزة، بشرط ألا تتحول السرعة إلى هدف منفصل عن ضمانات المحاكمة العادلة.
التحدي الأكبر يبدأ مع التطبيق
يبقى الاختبار الحقيقي لقانون الإجراءات الجنائية الجديد خارج نصوصه، أي عند دخوله حيز التطبيق.
فنجاح القانون يحتاج إلى تدريب القائمين على تنفيذ أحكامه، وإلمام القضاة وأعضاء النيابة العامة والمحامين بالتغييرات الجديدة، إلى جانب توفير البنية التكنولوجية اللازمة لتطبيق الإجراءات الحديثة بكفاءة.
ومن هنا تبدو الفترة السابقة على بدء التطبيق في الأول من أكتوبر 2026 ذات أهمية خاصة، لأنها تمنح مؤسسات العدالة فرصة للاستعداد التشريعي والفني والتقني للمرحلة الجديدة.
عبدالرحمن الكفراوي: العدالة ليست حكمًا سريعًا فقط
في النهاية، لا ينبغي النظر إلى قانون الإجراءات الجنائية الجديد باعتباره مجرد مجموعة من القواعد المنظمة للتحقيق والمحاكمة، وإنما باعتباره تشريعًا يمس بصورة مباشرة الحرية الشخصية وحق الدفاع وحرمة المسكن وضمانات المحاكمة العادلة.
والتحدي الحقيقي أمام القانون سيكون في تحقيق التوازن بين حق الدولة في مواجهة الجريمة، وحق الفرد في ألا تُنتقص حريته إلا وفق القانون.
فالعدالة الرشيدة لا تعني التساهل مع الجريمة، كما لا تعني التضييق على المتهم، وإنما تعني الوصول إلى الحقيقة من خلال إجراءات مشروعة وضمانات واضحة وقضاء مستقل ودفاع قادر على أداء دوره.
وبذلك، فإن الأول من أكتوبر 2026 لن يكون مجرد موعد لبدء تطبيق قانون جديد، بل محطة مهمة لاختبار قدرة منظومة العدالة المصرية على تحويل النصوص التشريعية إلى ممارسة عملية تحقق العدالة الناجزة وتحمي الحقوق والحريات في الوقت نفسه.
فالعدالة ليست سرعة الوصول إلى الحكم فقط، وإنما الوصول إلى الحكم الصحيح بالطريق الصحيح.


