كتبت شيماء حمدالله
تدخل السعودية مرحلة حساسة في مسار التحول الاقتصادي الطموح الذي تقوده تحت مظلة «رؤية 2030»، في ظل تزايد الاحتياجات التمويلية، واضطرابات أسواق النفط، وتصاعد التوترات الإقليمية، وهي عوامل تضع استراتيجية المملكة الاقتصادية أمام اختبار متزايد، بحسب ستيفن صهيوني المحلل السياسي الأمريكي السوري للراية نيوز.
وفي خطوة لافتة، تجري الرياض، وفقاً لتقارير، محادثات مع عدد من البنوك الدولية الكبرى، بينها مؤسسات مالية بارزة في وول ستريت، للحصول على قرض سيادي قد تصل قيمته إلى 10 مليارات دولار، في وقت لم تتخذ فيه المملكة قراراً نهائياً بشأن الصفقة حتى الآن.
وبحسب أشخاص مطلعين على المفاوضات، قد تتراجع الرياض عن إتمام القرض إذا جاءت ظروف السوق غير مواتية، أو إذا لم يقدم المقرضون شروطاً وتسعيراً مقبولين، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة المملكة على تمويل احتياجات «رؤية 2030» خلال المرحلة المقبلة.
قرض سعودي محتمل بـ10 مليارات دولار
تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، خصوصاً أن السعودية اعتادت تقليدياً الاعتماد على أسواق السندات الدولية بدلاً من القروض السيادية الضخمة.
وكانت المملكة قد جمعت بالفعل ما يقارب 20 مليار دولار عبر أسواق الدين هذا العام، لتصبح واحدة من أكثر المقترضين السياديين نشاطاً بين الاقتصادات الناشئة.
ومنذ عام 2016، أتمت السعودية ما لا يقل عن صفقتين كبيرتين لقروض سيادية بقيمة 10 مليارات دولار أو أكثر، وفقاً لبيانات بلومبرج.
ومن شأن الحصول على قرض جديد بهذا الحجم أن يمثل مؤشراً مهماً على التحول في استراتيجية الحكومة السعودية لتمويل احتياجاتها، خاصة في ظل ارتفاع حجم الإنفاق المرتبط بالمشروعات الكبرى التي تتضمنها «رؤية 2030».
عجز الموازنة يضع الرياض أمام ضغوط مالية
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الرياض اتساعاً في فجوتها المالية.
فقد عدّلت المملكة مؤخراً توقعاتها بشأن الموازنة، معلنة عن عجز يبلغ نحو 65 مليار دولار، أي أكثر من ضعف التقدير السابق، في ظل ارتفاع الإنفاق الحكومي وتراجع الإيرادات.
وقبل تعديل التوقعات، كانت السعودية تتوقع اقتراض نحو 37 مليار دولار خلال العام، على أن يأتي الجزء الأكبر من التمويل عبر أسواق رأس المال.
وحذرت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني من أن جزءاً أكبر من احتياجات السعودية التمويلية المستقبلية قد يأتي من مصادر خارج الأسواق التقليدية، في ظل حجم الاحتياجات الكبيرة للاقتراض والمخاطر المرتبطة بارتفاع تكاليف خدمة الدين وإصدار أدوات الدين.
النفط السعودي بين قوة الإيرادات ومخاطر الحرب
لا يمكن فصل الضغوط المالية التي تواجهها السعودية عن التطورات في قطاع الطاقة.
فالمملكة لا تزال واحدة من أهم منتجي النفط في العالم، لكن البنية التحتية للطاقة وطرق تصدير النفط أصبحت أكثر عرضة للتداعيات الناتجة عن حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وأفادت تقارير بأن هجمات استهدفت محطة ضخ على خط أنابيب الشرق–الغرب الاستراتيجي، ما أدى إلى انخفاض التدفقات بنحو 700 ألف برميل يومياً.
كما استُهدفت منشأة منيفة، وفقاً للتقارير، ما أدى إلى خفض الإنتاج بنحو 300 ألف برميل يومياً، في حين تسبب هجوم سابق على حقل خريص في انخفاض إضافي يقدر بنحو 300 ألف برميل يومياً.
وبحسب التقارير، أدى التأثير الإجمالي إلى خفض القدرة الإنتاجية السعودية بنحو 600 ألف برميل يومياً.
ولم تقتصر الأضرار على الإنتاج، إذ طالت أيضاً عدداً من منشآت التكرير الرئيسية، بينها «ساتورب» في الجبيل، ورأس تنورة، و«سامرف» في ينبع، ومصفاة الرياض.
كما أفادت تقارير بأن الحرائق التي اندلعت في منشآت بمدينة الجعيمة تسببت في اضطراب صادرات الغاز البترولي المسال وسوائل الغاز الطبيعي.
ووفقاً لتقديرات «وود ماكنزي» التي نقلتها صحيفة «فايننشال تايمز»، تكبدت السعودية خسائر تقدر بنحو 4.5 مليارات دولار منذ بداية الحرب.
البحر الأحمر.. ميزة استراتيجية تواجه تهديداً جديداً
أشارت التقارير إلى أن السعودية كانت في بداية الصراع الإقليمي في وضع أفضل نسبياً من عدد من دول الخليج الأخرى لمواجهة التداعيات الاقتصادية.
وتعرضت منشآتها للطاقة لعدد أقل من الهجمات مقارنة بمنشآت في دول مثل الكويت والإمارات والبحرين، كما منحها موقعها الجغرافي على البحر الأحمر طريقاً بديلاً للتصدير ساعد في حماية جزء من تجارتها النفطية.
وبحسب التقارير، وصلت صادرات النفط الخام السعودية عبر البحر الأحمر إلى نحو 4.5 ملايين برميل يومياً.
إلا أن هذه الميزة الاستراتيجية أصبحت الآن أكثر عرضة للخطر، بعدما أعلنت حركة أنصار الله اليمنية فرض حصار بحري يستهدف السعودية، كما نفذت هجمات ضد منشآت الطاقة والبنية التحتية السعودية.
وأدى التهديد الذي يواجه حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب إلى خلق تحدٍ استراتيجي جديد أمام الرياض.
كما أفادت شركات دولية عاملة في قطاعي الشحن والطاقة بأنها رصدت انخفاضاً بنحو 30% في نشاط تحميل النفط الخام المعلن عنه في ميناء ينبع، الذي يعد أحد أبرز مراكز تصدير النفط السعودية على البحر الأحمر.
وإذا استمرت هذه الاضطرابات، فقد تؤدي إلى تقويض إحدى أهم المزايا الاستراتيجية للمملكة، والمتمثلة في قدرتها على إعادة توجيه صادراتها بعيداً عن طرق التصدير المهددة.
توتر مالي متزايد بين السعودية والإمارات
في الوقت نفسه، تواجه السعودية مؤشرات على تصاعد الاحتكاك المالي مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
ووفقاً لمصادر نقلت عنها وكالة «رويترز»، أخضعت السلطات السعودية التحويلات المرتبطة بالإمارات إلى إجراءات تدقيق تنظيمية إضافية.
وأفادت التقارير بأن عدداً من الشركات واجه تأخيرات في معاملاتها أو إعادة بعض التحويلات، بينما لجأت بعض الشركات، بحسب ما ورد، إلى تمرير مدفوعاتها عبر دول ثالثة لاستكمال عملياتها المالية.
وقال ثلاثة أشخاص مطلعين على الأمر إن البنوك السعودية تلقت في وقت سابق من هذا العام تعليمات بتطبيق إجراءات إضافية على المعاملات المرتبطة بالإمارات، على غرار إجراءات التدقيق المشددة المطبقة على الولايات القضائية التي تعتبر ذات مخاطر مالية مرتفعة.
لكن البنك المركزي السعودي نفى فرض قيود مباشرة على دول محددة، مؤكداً أن المؤسسات المالية السعودية تعمل وفق قواعد صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يتوافق مع معايير مجموعة العمل المالي الدولية «فاتف».
كما قال مسؤول إماراتي إن وزارة الاقتصاد الإماراتية لم تتلق شكاوى من شركات خاصة بشأن تأخيرات غير معتادة أو صعوبات في التحويلات المالية بين البلدين.
ومع ذلك، تأتي هذه التقارير في وقت تشهد فيه الشراكة السعودية–الإماراتية، التي كانت وثيقة للغاية في السابق، تزايداً في الخلافات حول السياسة الإقليمية والمنافسة الاقتصادية والأولويات الاستراتيجية.
«رؤية 2030» تدخل عاماً حاسماً
تأتي الضغوط الاقتصادية المتزايدة في لحظة ذات دلالة خاصة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
فولي العهد، البالغ من العمر 40 عاماً، والحاكم الفعلي للمملكة، يدخل العام العاشر من «رؤية 2030»، المشروع التحويلي الذي يهدف إلى تقليل اعتماد السعودية على النفط وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً.
لكن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة بصورة كبيرة عن السنوات الأولى للمشروع، في ظل تزايد الضغوط التمويلية وارتفاع تكلفة تنفيذ المشروعات العملاقة.
وقد ورد أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي تبلغ قيمته نحو تريليون دولار، تلقى توجيهات بإعطاء أولوية أكبر للكفاءة وترتيب المشاريع وفقاً لأهميتها.
وقال محافظ الصندوق ياسر الرميان إن قيادة الصندوق طُلب منها تحديد المبادرات التي تعتبر أساسية، وتأجيل أو تعليق المشاريع التي يمكن الانتظار بشأنها.
كما عززت التقارير التي تحدثت عن إمكانية خفض الصندوق أو سحب دعمه المالي لبطولة «ليف غولف» الانطباع بأن الرياض بدأت تعيد تقييم بعض التزاماتها الدولية والمحلية مرتفعة التكلفة.
السعودية تواصل استثماراتها رغم الضغوط
في المقابل، تواصل السعودية تنفيذ استثمارات ضخمة في الخارج، وهو ما يؤكد أن الرياض لم تتخل عن طموحاتها العالمية.
وسلط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً الضوء على ما وصفه بالتزام استثماري سعودي غير مسبوق بقيمة 6 مليارات يورو لتطوير مدن ترفيهية كبرى بالقرب من باريس، من بينها مشروع مخصص لعالم «دراجون بول».
ومن المتوقع أن توفر هذه المشاريع آلاف الوظائف، فيما ستحتاج إلى سنوات عدة حتى تكتمل.
وتؤكد هذه الاستثمارات أن السعودية لا تزال متمسكة بطموحاتها الاقتصادية الدولية، إلا أن السؤال الأهم يبقى حول قدرة المملكة على الحفاظ على هذه الطموحات في الوقت الذي تحاول فيه السيطرة على مستويات الدين، وحماية عائدات النفط، والتعامل مع المخاطر الأمنية المتزايدة.
المحلل السياسي الأمريكي السوري: التحدي أصبح اقتصادياً ومالياً
وبحسب صهيوني للراية نيوز، فإن التحدي المركزي الذي تواجهه السعودية في المرحلة الحالية لم يعد سياسياً فقط، وإنما أصبح اقتصادياً ومالياً بصورة متزايدة.
فقد صُممت «رؤية 2030» باعتبارها مشروع تحول تاريخي يهدف إلى تقليل اعتماد المملكة على النفط، لكن تحقيق هذا التحول يحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة ومستدامة، في وقت يهدد فيه الصراع الإقليمي البنية التحتية للطاقة ويزيد من الاحتياجات التمويلية.
ومن هذه الزاوية، قد يكون القرض المحتمل البالغ 10 مليارات دولار أكثر من مجرد صفقة تمويلية جديدة، إذ يمكن أن يتحول إلى رمز لمرحلة جديدة من «رؤية 2030».
وفي هذه المرحلة، تجد الرياض نفسها مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين الطموح الاقتصادي والانضباط المالي والمخاطر الجيوسياسية والواقع الاقتصادي.
وفي نهاية المطاف، قد تحدد قدرة السعودية على تحقيق هذا التوازن ما إذا كانت «رؤية 2030» ستصبح واحدة من أنجح عمليات التحول الاقتصادي في العالم، أم مشروعاً بالغ التكلفة يضطر إلى تقليص طموحاته تحت وطأة ظروف تتجاوز قدرة المملكة على السيطرة عليها.



