احتجاجات فرنسا تتجدد.. 410 آلاف متظاهر و70 ألف شرطي في الشوارع وإضراب عام يلوح في الأفق

احتجاجات فرنسا

كتبت شيماء حمدالله 


شهدت فرنسا موجة احتجاجات واسعة شارك فيها نحو 410 آلاف شخص، السبت، وسط انتشار 70 ألف شرطي في مختلف أنحاء البلاد، في محاولة لاحتواء الاضطرابات ومنع تكرار أعمال النهب والتخريب التي شهدتها مدن فرنسية خلال الأسبوع السابق.


وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية اعتقال 1314 شخصًا خلال التظاهرات، وإصابة نحو 50 شرطيًا، في تراجع ملحوظ مقارنة بالأسبوع السابق، عندما سجلت السلطات أعدادًا أكبر من الاعتقالات والإصابات. 


لكن الإجراءات الأمنية لم تنه حالة الغضب الشعبي، إذ دعت نقابات واتحادات عمالية إلى تنظيم احتجاجات جديدة، بالتزامن مع الدعوة إلى إضراب عام في 5 نوفمبر المقبل، رفضًا لتدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة.


 النقابات الفرنسية تدعو إلى تصعيد الاحتجاجات


دعت قيادات نقابية إلى مواصلة التظاهر السبت المقبل، مؤكدة أن حالة الاستياء لم تعد مقتصرة على الطلاب، بل امتدت إلى قطاعات واسعة من العمال والعاملين في الخدمات العامة.


وقالت مورييل جيلبير، الرئيسة المشاركة للاتحاد النقابي اليساري «سوليدير»، لقناة «بي إف إم» التلفزيونية، إن الغضب المتراكم يجمع بين مطالب الطلاب والعمال وأفراد فرق الإطفاء وفئات أخرى، داعية المواطنين إلى النزول مجددًا إلى الشوارع.


وأعلن اتحاد يمثل المعلمين مشاركته في مظاهرات 31 أكتوبر، فيما قالت نقابة «سي جي تي» إنها ستتخذ قرارها بشأن المشاركة خلال الأيام المقبلة.


كما دعت حركة السترات الصفراء، التي ظهرت عام 2018 احتجاجًا على ضرائب الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى تنظيم مسيرات جديدة، تشمل اعتصامات أمام مباني البلديات والجمعية الوطنية.


وتعكس هذه التحركات اتساع نطاق المطالب الاجتماعية، مع تصاعد الضغوط على الحكومة الفرنسية لاتخاذ إجراءات ملموسة بشأن الأجور والقدرة الشرائية والخدمات العامة.


 70 ألف شرطي لاحتواء أعمال الشغب والتخريب


ساعد الانتشار الأمني المكثف في الحد من اتساع الاضطرابات خلال احتجاجات السبت، إذ تمكنت الشرطة من احتواء المواجهات في عدد من المدن، بينها باريس ومرسيليا، وفق ما أوردته رويترز نقلًا عن السلطات الفرنسية.


وأوقفت السلطات 1314 شخصًا، بانخفاض يقارب النصف مقارنة بالأسبوع السابق، بينما تراجعت إصابات أفراد الشرطة إلى نحو 50، مقابل أكثر من ألف إصابة خلال الأسبوع السابق، بحسب البيانات الواردة في التقرير.


ورغم تراجع حدة المواجهات، حذرت نقابات الشرطة من صعوبة استمرار الانتشار الأمني بهذا الحجم لفترة طويلة، مشيرة إلى محدودية الموارد البشرية اللازمة لتغطية الاحتجاجات المتكررة في مختلف أنحاء البلاد.


ويضع ذلك السلطات أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على الأمن العام، وتجنب تحول التظاهرات الاجتماعية إلى مواجهات واسعة تستنزف الأجهزة الأمنية.


 أزمة مالية وسياسية تحدّ من تحركات الحكومة


تواجه الحكومة الفرنسية ضغوطًا متزايدة للاستجابة للمطالب الشعبية، لكنها تتحرك ضمن قيود مالية وسياسية تقلص قدرتها على تقديم تنازلات واسعة.


ففي عام 2018، تمكن الرئيس إيمانويل ماكرون من توفير موارد لخفض تكاليف الوقود، عقب احتجاجات السترات الصفراء. لكن الوضع المالي العام أصبح أكثر صعوبة، ما يحد من قدرة الحكومة على تكرار إجراءات مكلفة لاحتواء الغضب الشعبي.


وتتزامن الأزمة مع ضعف الدعم البرلماني للتيار الوسطي الذي ينتمي إليه ماكرون، وصعوبة تمرير تشريعات رئيسية في ظل غياب أغلبية مستقرة.


وبدأت الحكومة محادثات مع ممثلي النقابات والطلاب بهدف تخفيف التوتر، إلا أن قادة الاحتجاجات يرون أن الإجراءات المطروحة حتى الآن لا تلبي مطالبهم.


وتزيد هذه المعطيات من تعقيد المشهد، إذ تحتاج الحكومة إلى التوصل إلى تسوية اجتماعية دون زيادة الضغوط على المالية العامة أو الدخول في مواجهة سياسية جديدة.


الاحتجاجات تمتد إلى بلجيكا وألبانيا وإيطاليا


لم تقتصر التحركات الاحتجاجية على فرنسا، بل امتدت تداعيات الغضب الاجتماعي والسياسي إلى دول أوروبية أخرى.


ففي بلجيكا، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل خلال مواجهات مع متظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل، السبت.


وفي ألبانيا، تصاعدت احتجاجات بدأت بصورة سلمية في نهاية مايو، وتحولت خلال أكتوبر إلى اضطرابات عنيفة، بينما شهدت مدن إيطالية مناوشات خلال الاحتجاجات للأسبوع الثاني على التوالي.


وتشير هذه التحركات إلى استمرار الضغوط الاجتماعية والسياسية في عدد من الدول الأوروبية، وإن كانت دوافع الاحتجاجات وسياقاتها تختلف من بلد إلى آخر.


 إضراب 5 نوفمبر.. اختبار جديد للحكومة الفرنسية


يمثل الإضراب العام المرتقب في 5 نوفمبر محطة جديدة في الأزمة، مع سعي النقابات إلى توسيع المشاركة العمالية وربط مطالب الأجور وتكاليف المعيشة بقضايا الخدمات العامة والسياسات الاقتصادية.


وتعتمد قدرة الاحتجاجات على فرض تنازلات حكومية على حجم المشاركة، ومدى استمرار التنسيق بين النقابات والطلاب والحركات الشعبية، إلى جانب قدرة السلطات على إدارة التظاهرات دون تصعيد أمني إضافي.


وفي المقابل، تواجه الحكومة معادلة صعبة بين احتواء الغضب الاجتماعي والمحافظة على الانضباط المالي، في وقت يحد فيه ضعف الدعم البرلماني من قدرتها على تمرير حلول واسعة.