خاص | نتنياهو بين غزة وإيران وغضب أوروبا.. هل تشعل الانتخابات الإسرائيلية حربًا جديدة في الشرق الأوسط؟ ستيفن صهيوني يكشف

نتنياهو

كتبت شيماء حمدالله 


تواجه إسرائيل مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية والدبلوماسية على حكومة بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع تجدد التهديدات باستهداف قادة حركة حماس، واتساع رقعة الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في العواصم الأوروبية، وتزايد الحديث عن احتمال شن هجوم إسرائيلي على إيران دون مشاركة عسكرية أمريكية مباشرة. 


وفي الداخل، تعيد عمليات هدم المنازل الفلسطينية في النقب فتح ملف السياسات الإسرائيلية تجاه التجمعات البدوية، وسط اتهامات للحكومة اليمينية المتطرفة باستغلال هذه الإجراءات لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية.


وتكشف هذه التطورات عن مشهد إسرائيلي معقد تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الضغوط الدولية والصراع الفلسطيني والتنافس السياسي الداخلي. 


ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، يبرز تساؤل أساسي حول قدرة نتنياهو على إدارة هذه الملفات المتشابكة، وما إذا كانت قراراته المقبلة ستتجه نحو احتواء التصعيد أم ستفتح الباب أمام مواجهة إقليمية جديدة يصعب السيطرة على تداعياتها.


تهديدات حماس والضغوط الدولية تضع إسرائيل أمام تحديات متصاعدة


تتزامن التحركات الإسرائيلية ضد حركة حماس مع تنامي المعارضة الشعبية للحرب على غزة في الخارج، خصوصًا داخل المدن الأوروبية الكبرى. 


ولم تعد هذه الاحتجاجات مقتصرة على التعبير عن القلق إزاء الأوضاع الإنسانية، بل باتت تتضمن مطالب مباشرة بتغيير السياسات الحكومية المتعلقة بتسليح إسرائيل، وفرض العقوبات عليها، ومراجعة العلاقات السياسية والتجارية والعسكرية معها.


وشهدت لندن، يوم السبت، تجمع آلاف المتظاهرين الذين طالبوا الحكومة البريطانية بوقف تسليح إسرائيل وفرض عقوبات عليها، وإنهاء ما وصفوه بالتواطؤ البريطاني في الحرب على غزة.


ورفع المشاركون الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بوقف تسليح إسرائيل، وإنهاء الاحتلال، ووقف تمويل الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي.


وامتدت الاحتجاجات إلى باريس وبرلين وإسطنبول وكوبنهاغن، في مؤشر على استمرار الضغط الشعبي على الحكومات الأوروبية لإعادة النظر في مواقفها من الحرب والسياسات الإسرائيلية.


وفي برلين، أفادت تقارير بمشاركة أكثر من 3 آلاف شخص في مظاهرة نظمها ائتلاف «متحدون من أجل فلسطين»، تحت شعار «لا سلام على أرض مسلوبة».


أما في باريس، فطالب المحتجون بإنهاء الحرب، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون قيود، ومساءلة القادة الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية، ووقف الاحتلال والتوسع الاستيطاني، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.


وتضع هذه التحركات الحكومة الإسرائيلية أمام تحدٍ يتجاوز المواجهة العسكرية، إذ تتزايد الضغوط الشعبية المطالبة بمراجعة العلاقات مع إسرائيل، بما قد ينعكس على هامش تحركها الدبلوماسي وقدرتها على الحفاظ على الدعم الدولي.


هدم المنازل الفلسطينية في النقب يعيد إشعال الجدل حول سياسات بن غفير


على الجبهة الداخلية، أثارت عمليات هدم المنازل الفلسطينية في صحراء النقب انتقادات جديدة لسياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة. ووفقًا لتقارير إعلامية إسرائيلية، هدمت السلطات، يوم الاثنين، نحو 80 منزلًا في قرية الدهية الفلسطينية غير المعترف بها، ما أدى إلى تهجير قرابة 400 فلسطيني.


ونفذ عمليات الهدم موظفون من سلطة أراضي إسرائيل، بمرافقة قوات شرطة معززة تعمل تحت إشراف وزارة الأمن القومي، التي يرأسها الوزير اليميني المتطرف إيتمار بن غفير.


وخلال الأسابيع الأخيرة، دأب بن غفير على الترويج علنًا لعمليات هدم المنازل الفلسطينية. 


كما شارك يوم الثلاثاء السابق في هدم مبنى مكون من خمسة طوابق في حي الطور بالقدس الشرقية المحتلة، كان يؤوي نحو 70 فلسطينيًا.


وتعاني عشرات القرى البدوية الفلسطينية في النقب عدم الاعتراف الرسمي من السلطات الإسرائيلية، الأمر الذي يضع سكانها أمام قيود على البناء وصعوبات في الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والطرق والمدارس والمرافق الصحية.


وتشير تقارير إلى تصاعد ملحوظ في عمليات الهدم بالمنطقة. ففي نوفمبر 2025، ذكرت صحيفة «واي نت» العبرية أن أوامر الهدم في النقب ارتفعت بنسبة تصل إلى 400% منذ بداية ذلك العام، وهو ما أثار انتقادات من منظمات إسرائيلية لحقوق الإنسان اعتبرت الحملة تمييزية بحق التجمعات البدوية.


وفي 24 يونيو 2026، تفاخر بن غفير بهدم 5,700 منزل خلال عام 2025، وفقًا للتصريحات الواردة في التقارير المتعلقة بالملف.


وتعيد هذه الوقائع تسليط الضوء على التوترات المرتبطة بالحقوق الفلسطينية وسياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه التجمعات السكانية البدوية، في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات متزايدة بشأن ممارساتها في الأراضي الفلسطينية.


 نتنياهو يدرس توجيه ضربة إلى إيران دون مشاركة أمريكية مباشرة


في موازاة هذه التحديات، يدرس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إمكانية توجيه ضربة عسكرية إلى إيران دون مشاركة عسكرية أمريكية مباشرة، في تحول محتمل في حساباته الأمنية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.


وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية إضافية بالنظر إلى الوضع السياسي الداخلي لنتنياهو، الذي يواجه اتهامات بالاحتيال والفساد، وقد يواجه احتمال السجن في حال إدانته. 


وفي هذا السياق، قد يرى مراقبون أن تنفيذ عملية عسكرية ضد إيران بصورة مستقلة يمكن أن يمنحه فرصة لتعزيز موقعه السياسي وتحسين حظوظه الانتخابية قبل توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع.


لكن اتخاذ قرار من هذا النوع لا يرتبط بالحسابات الداخلية وحدها، إذ ستظل توقيتات أي عملية محتملة وإمكانية تنفيذها مرتبطة بدرجة كبيرة بالتنسيق مع واشنطن، حتى في حال عدم مشاركتها عسكريًا بصورة مباشرة.


كما أن التداعيات المحتملة لأي هجوم إسرائيلي على إيران قد تتجاوز حدود المواجهة الثنائية؛ إذ يمكن أن تستدعي ردًا إيرانيًا، وتزيد الضغوط على القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة وعلى حلفاء واشنطن الإقليميين، فضلًا عن تعميق حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الشرق الأوسط.


وبالتالي، فإن التفكير في تنفيذ ضربة منفردة ضد إيران يضع القيادة الإسرائيلية أمام معادلة معقدة، تجمع بين الرغبة في تحقيق أهداف أمنية وعسكرية، ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد يصعب احتواء نتائجها.


 الانتخابات الإسرائيلية تزيد تعقيد الحسابات السياسية والأمنية


تتداخل الملفات الثلاثة، من المواجهة مع حماس والضغوط الشعبية الأوروبية إلى هدم المنازل الفلسطينية واحتمالات التصعيد مع إيران، ضمن مشهد سياسي وأمني أكثر اتساعًا من مجرد سلسلة أحداث منفصلة.


فالحرب في غزة تفرض ضغوطًا على علاقات إسرائيل الدولية، بينما تكشف الاحتجاجات الأوروبية عن اتساع المعارضة الشعبية للسياسات الإسرائيلية. وفي الداخل، تستمر الخلافات بشأن الحقوق الفلسطينية وسياسات الهدم، بالتزامن مع احتدام الحسابات السياسية المرتبطة بالانتخابات المقبلة.


وتزيد هذه العوامل من صعوبة الخيارات المتاحة أمام حكومة نتنياهو، التي يتعين عليها الموازنة بين الاعتبارات الأمنية والمصالح السياسية والضغوط الدبلوماسية. 


وبينما قد ترى القيادة الإسرائيلية في استمرار نهجها الحالي وسيلة للحفاظ على موقفها، فإن تصاعد التوترات يثير تساؤلات بشأن تكلفة هذا الخيار على المدى القريب والبعيد.


وتظل إمكانية توجيه ضربة إلى إيران من دون مشاركة عسكرية أمريكية مباشرة أحد أكثر السيناريوهات إثارة للقلق، بالنظر إلى قدرتها على نقل التنافس السياسي الداخلي إلى مستوى مواجهة إقليمية أوسع، بما قد يهدد استقرار المنطقة ويزيد الضغوط على الأطراف المنخرطة فيها.


 هل يختار نتنياهو احتواء التصعيد أم المخاطرة بمواجهة إقليمية جديدة؟


تكشف التطورات المتزامنة عن تعدد الجبهات التي تواجه إسرائيل، وعن صعوبة الفصل بين قراراتها العسكرية وحساباتها السياسية الداخلية وعلاقاتها الدولية. 


فالتهديدات الموجهة إلى قادة حماس، والاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في أوروبا، وعمليات الهدم في النقب، واحتمالات العمل العسكري ضد إيران، كلها ملفات تتفاعل فيما بينها وتؤثر في خيارات القيادة الإسرائيلية.


ومع تزايد المعارضة الخارجية واستمرار الخلافات المتعلقة بالحقوق الفلسطينية في الداخل، تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام خيارات صعبة: إما مواصلة السياسات الحالية بما تحمله من مخاطر تصعيدية، أو اتخاذ خطوات دبلوماسية وأمنية تساعد على خفض التوتر وتجنب اتساع رقعة المواجهة.


وفي نهاية المطاف، لن تقتصر نتائج القرارات التي تتخذها القيادة الإسرائيلية خلال الأسابيع المقبلة على مستقبل نتنياهو السياسي أو فرصه الانتخابية، بل قد تمتد إلى مستقبل غزة، 


وطبيعة العلاقات الإسرائيلية الدولية، واحتمالات التصعيد مع إيران، وآفاق الاستقرار في الشرق الأوسط، فضلًا عن مسار النضال الفلسطيني من أجل الحقوق وتقرير المصير.


ويبقى السؤال الأهم: هل يتمكن نتنياهو من احتواء الضغوط المتزايدة، أم أن سعيه إلى تعزيز موقعه السياسي سيدفع المنطقة نحو مواجهة جديدة قد تتجاوز حدود الحسابات الإسرائيلية وتفرض تداعياتها على الشرق الأوسط بأكمله؟