«نشتغل أذكى مش أكتر».. خبير لـ الراية: يجب إعادة هندسة يوم العمل

سعيد السعيطي

أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة، أن مواعيد العمل لم تعد مسألة تنظيم إداري مرتبطة بالحضور والانصراف فقط، بل أصبحت جزءا من إدارة الموارد البشرية والطاقة والصحة والإنتاجية، خاصة في الدول التي تواجه ارتفاع درجات الحرارة، وضغط المدن، وزيادة تكلفة التشغيل اليومي على الأفراد والمؤسسات.


وأوضح الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة، لـ الراية، أن السؤال الإداري الأهم اليوم لم يعد محصورا في عدد ساعات العمل، بل في توقيت هذه الساعات ومدى قدرتها على إنتاج قيمة حقيقية. فساعة العمل في الصباح الباكر، حين تكون الحرارة أقل والطرق أهدأ والذهن أكثر صفاء، قد تكون أعلى قيمة من ساعة عمل لاحقة تحت ضغط الحرارة والزحام والإرهاق.


وأشار إلى أن فكرة تقديم الجزء الأكبر من النشاط الإداري والإنتاجي إلى الساعات الأولى من اليوم، بحيث ينتهي جانب كبير منه قرب الظهر، لا يجب أن تطرح كقرار عام يفرض على كل القطاعات، لكنها تستحق الدراسة والتجريب، خصوصا في منطقة مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتداخل الحرارة المرتفعة مع الزحام وكثافة المدن وضغط الطاقة.


وأضاف السعيطي أن أهمية هذه الفكرة تتزايد مع تحذيرات دولية متكررة من أثر الإجهاد الحراري على العمل والإنتاجية، إذ توقعت منظمة العمل الدولية أن يؤدي ارتفاع الحرارة بحلول عام 2030 إلى فقدان 2.2% من إجمالي ساعات العمل عالميًا، بما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل، نتيجة أن بعض الأعمال ستصبح أبطأ أو أكثر صعوبة أو أقل أمانًا في ساعات الحرارة الشديدة.


ولفت إلى أن منظمة الصحة العالمية تشير كذلك إلى أن بيانات حديثة على نحو 8000 عامل أظهرت أن 30% ممن يعملون كثيرًا تحت ظروف إجهاد حراري يبلّغون عن خسائر في الإنتاجية، وهو ما يعني أن القضية لم تعد صحية فقط، بل أصبحت اقتصادية وتشغيلية أيضًا.


وأوضح خبير الإدارة الاستراتيجية أن بعض تجارب التكيف بدأت تظهر عالميًا بوضوح، ومنها ما رصدته رويترز عن اتجاه بعض المزارعين في اليابان إلى العمل ليلًا أو في ساعات مبكرة لمواجهة موجات الحرارة، بعد أن تسبب التعرض الحراري في خسارة 926 مليون ساعة عمل بالقطاع الزراعي الياباني في عام 2024، وفق بيانات Lancet Countdown.


وأكد السعيطي أن إدارة يوم العمل بمنطق جديد قد تحقق أكثر من أثر في الوقت نفسه: تخفيف الضغط على المواصلات، تقليل التعرض للحرارة، ترشيد استهلاك الطاقة في بعض المنشآت، تحسين التركيز، وخفض الإجهاد اليومي على العاملين. لكن هذه النتائج لن تتحقق بمجرد تغيير موعد الحضور، بل بإعادة تصميم طريقة العمل نفسها.


وشدد على أن تطبيق هذا النموذج لا يصلح بمنطق واحد لكل القطاعات. فهناك أعمال إدارية يمكن أن تبدأ مبكرا وتنتهي مبكرا، وأعمال صناعية تحتاج إلى ورديات أكثر مرونة، وقطاعات خدمية ترتبط بحركة الجمهور، وأعمال صحية وأمنية ونقل تعمل بطبيعة مستمرة. لذلك فإن المدخل الصحيح ليس التعميم، بل التجريب القطاعي وفق طبيعة كل نشاط.


وأضاف السعيطي أن إعادة هندسة يوم العمل يجب أن تراعي المنظومة المحيطة بالعمل، مثل النقل، والمدارس، والخدمات الحكومية، ومواعيد التعامل مع الجمهور، وسلاسل التوريد، والعمل المرن، والعمل عن بعد، وفترات الراحة. فتقديم الساعة دون تنسيق هذه العناصر قد ينقل العبء من المؤسسة إلى العامل أو الأسرة أو المجتمع.


وأوضح أن أي تعديل في يوم العمل يجب أن يكون إنسانيا قبل أن يكون إداريا. فلا قيمة لدوام مبكر إذا أدى إلى اضطراب النوم، أو صعوبة رعاية الأطفال، أو زيادة الضغط على الأسر، أو تعقيد انتقال العاملين. الإصلاح الحقيقي لا ينقل العبء إلى الإنسان، بل يعيد توزيع الوقت بما يحمي صحته ويرفع كفاءة عمله.


ويرى السعيطي أن تحويل الفكرة إلى سياسة قابلة للتطبيق يحتاج إلى خمس خطوات واضحة: البدء بتجارب محدودة في القطاعات الأكثر تعرضا للحرارة أو الزحام، قياس الإنتاجية والغياب واستهلاك الطاقة ورضا العاملين قبل التجربة وبعدها، منح المؤسسات مرونة في تصميم ساعات العمل حسب طبيعة النشاط، مراعاة البعد الإنساني والأسري في أي تعديل، ثم ربط التطبيق بمنظومة النقل والخدمات والمدارس وسلاسل التوريد حتى لا يتحول الحل إلى عبء جديد.


واختتم الدكتور سعيد السعيطي بالتأكيد على أن إعادة هندسة يوم العمل ليست دعوة إلى العمل أكثر، بل إلى العمل أذكى. فقد لا يصلح نموذج الفجر إلى الظهر لكل القطاعات، لكنه يفتح سؤالا مهما حول إدارة الزمن كأحد موارد الدولة والمؤسسات. فالمجتمعات التي تحسن اختيار وقت العمل تستطيع أن تقلل الفاقد، وتحمي الصحة، وترفع الإنتاجية دون زيادة ساعات العمل.