رسالة من فانس إلى طهران ووساطة قطرية.. هل تنجح الدبلوماسية في منع هجوم أمريكي جديد على إيران؟

واشنطن وطهران

كتبت شيماء حمدالله 


تتحرك الولايات المتحدة وإيران عبر قنوات دبلوماسية متعددة لاختبار فرص استئناف المفاوضات وتجنب جولة جديدة من الحرب، بالتزامن مع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستئناف العمليات العسكرية بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر المقبل. 


وتتصدر هذه التحركات رسالة بعث بها نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس إلى المسؤول الإيراني محسن رضائي، بالتوازي مع وساطة قطرية ومباحثات إقليمية، وسط تقارير عن استعدادات عسكرية أمريكية وإسرائيلية لاحتمال تجدد الضربات.


فانس يبعث رسالة إلى إيران بتوجيه من ترامب


كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين وأشخاص مطلعين على الملف، أن نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس وجّه رسالة إلى محسن رضائي، في محاولة لاستكشاف إمكانية التوصل إلى إطار يسمح باستئناف مفاوضات السلام وتجنب هجوم أمريكي جديد.


ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أمريكي أن الرسالة شددت على ضرورة مناقشة البرنامج النووي الإيراني ضمن أي مفاوضات تستهدف تجنب الضربات العسكرية. ولم تتضمن الاتصالات، وفق «وول ستريت جورنال»، شروطًا محددة لاتفاق سلام، بل ركزت على اختبار فرص استئناف الحوار.


وأكد ترامب، الأربعاء، موافقته على مبادرة فانس للتواصل مع الجانب الإيراني، موضحًا أن الرسالة تتعلق أيضًا بالسماح بدخول الإمدادات الطبية إلى إيران لمساعدة المحتاجين إلى الرعاية.


ويأتي التواصل مع رضائي بعد تعيينه ممثلًا للمرشد الإيراني في المجلس الأعلى للأمن القومي، وتوليه منصب أمين المجلس خلفًا لمحمد باقر ذو القدر. كما سبق له قيادة الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي.


وكان فانس قد تولى دور المفاوض الرئيسي عن إدارة ترامب خلال المحادثات الأمريكية الإيرانية التي أعقبت اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي.


وساطة قطرية لتجنب الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي


بالتوازي مع الاتصالات المباشرة، كشف «أكسيوس»، نقلًا عن ثلاثة مصادر أمريكية وإسرائيلية وإقليمية، عن وساطة تقودها قطر لإعادة إطلاق المفاوضات ومنع استئناف الحرب، خصوصًا بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.


وتسعى الوساطة إلى إقناع طهران بالسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة المنشآت النووية التي تعرضت للقصف، مقابل احتمال تخفيف بعض العقوبات الأمريكية والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة.


وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في مطالبة واشنطن بتسوية مسألة مخزونات اليورانيوم الإيراني المخصب، مقابل إصرار طهران على رفع الحصار البحري الأمريكي والإفراج عن أصولها المجمدة قبل تقديم تنازلات نووية.


وأفاد مصدر إقليمي ومسؤول أمريكي بأن الوسطاء أبلغوا إيران أن قبول المقترحات المطروحة قد يساعد على تجنب هجمات أمريكية واسعة النطاق بعد الانتخابات.


وشملت التحركات الإقليمية زيارة وفد من دول حلف مكة إلى طهران، ضم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير. 


وبحسب المصدر الإقليمي، أبلغ الجانب الإيراني الوسطاء بأنه سيعمل على الحصول على موافقة المرشد مجتبى خامنئي لدراسة الأفكار المطروحة.


في المقابل، قال مسؤول إيراني رفيع لوكالة «رويترز» إن قطر قدمت «أفكارًا غير مقبولة»، وليست مقترحًا متكاملًا، مؤكدًا استمرار الموقف الإيراني الرافض لإبداء المرونة في الملف النووي.


وفي سياق متصل، أعلنت الرئاسة التركية أن الرئيس رجب طيب أردوغان بحث هاتفيًا مع ترامب الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تسوية القضايا المرتبطة بمضيق هرمز واليمن.


 الملف النووي والعقوبات يتصدران المفاوضات الأمريكية الإيرانية


أشار «أكسيوس» إلى أن إحدى الأفكار المطروحة تتمثل في العودة إلى التفاهم الذي توصلت إليه إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في القاهرة العام الماضي، والذي وفر إطارًا لاستئناف زيارات مفتشي الوكالة إلى المنشآت النووية الإيرانية.


وعلّقت طهران العمل بهذا التفاهم بعد إعادة فرض العقوبات الأممية عليها عبر آلية إعادة فرض العقوبات تلقائيًا، المعروفة باسم «سناب باك».


وكان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، قد أبلغ مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء، أن إحياء تفاهم القاهرة قد يوفر أساسًا لاستئناف عمليات التفتيش.


وفي المقابل، كرر ترامب أن واشنطن تراقب المنشأة النووية في جبل الفأس بالقرب من منشأة نطنز بمحافظة أصفهان، مشيرًا إلى إمكانية استهدافها.


وقال المصدر الإقليمي المطلع على المحادثات إن موافقة إيران على عودة المفتشين قد تفتح الباب أمام إعفاءات تتعلق ببيع النفط الإيراني، إلى جانب الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة لاستخدامه في شراء الغذاء والاحتياجات الإنسانية.


وتتمحور الخلافات حول ترتيب الخطوات المتبادلة؛ إذ تريد واشنطن تنازلات نووية إيرانية قبل تخفيف العقوبات، بينما تطالب طهران بتخفيف الضغوط الاقتصادية والبحرية أولًا.


 استعدادات أمريكية وإسرائيلية لاحتمال استئناف الضربات


تتواصل التحركات العسكرية بالتزامن مع الجهود الدبلوماسية. وذكر «أكسيوس» أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير أجرى، الاثنين، محادثات مع قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» براد كوبر، لبحث التنسيق تحسبًا لاحتمال شن هجمات جديدة على إيران.


ونقل الموقع عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أن العملية المحتملة قد تتضمن حملة عسكرية تستمر أسبوعًا، تستهدف قيادات إيرانية ومنشآت مرتبطة بقطاعات الطاقة والبرنامج النووي والبنية التحتية.


وفي تقرير منفصل، أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأمريكي يعمل على تعزيز قدراته الدفاعية والصاروخية في المنطقة، بما يشمل نقل منظومة دفاع صاروخي من طراز «باتريوت» من ولاية تكساس، وتجديد مخزونات الذخائر، وإعداد الطائرات المقاتلة لاحتمال تنفيذ هجمات جديدة.


وكان ترامب قد قال خلال تجمع انتخابي في ولاية فلوريدا يوم 23 أكتوبر: «قد ننفذ عملية صغيرة أخرى من عملية الغضب الملحمي، أو يتوصلون إلى اتفاق».


ويشير مصطلح «الغضب الملحمي» إلى العملية العسكرية الأمريكية التي بدأت ضد إيران في 28 فبراير الماضي. ورغم عدم تحديد موعد نهائي لاستئناف الهجمات، ربط ترامب بين إمكانية التوصل إلى اتفاق واستمرار الخيار العسكري، مع الإشارة إلى احتمال التصعيد بعد انتخابات التجديد النصفي.


وأكد ترامب، في حديث إلى «أكسيوس» الأربعاء، استمرار الاتصالات مع إيران عبر الوسطاء، لكنه أقر بعدم معرفته ما إذا كانت ستؤدي إلى نتيجة. كما ناقش الملف الإيراني مع فريق الأمن القومي خلال اجتماع خُصص لتلقي إحاطات استخباراتية.


عراقجي: إيران تمنح الدبلوماسية فرصة وتستعد للدفاع


من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في منشور على منصة «إكس» مساء الأربعاء، أن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة تمامًا للدفاع عن البلاد، مشددًا على أن طهران لا تزال تمنح الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى نتيجة.


وأضاف عراقجي أن إيران ستواصل اتصالاتها الوثيقة مع الوسطاء لدراسة الأفكار التي يمكن أن تتيح تنفيذ الخطة الإيرانية ذات الأيام السبعة، حتى في مدة أقصر من أسبوع.


وتتضمن الخطة شروطًا طرحتها إيران خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أبرزها الإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب على مختلف الجبهات.


وتعكس تصريحات عراقجي تمسك طهران بربط أي تسوية بتخفيف الضغوط الاقتصادية والبحرية، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة دون إعلان قبول المقترحات المتداولة حتى الآن.


 كيف أدت الخلافات حول مضيق هرمز إلى تعثر التفاهمات؟


اندلعت الحرب في 28 فبراير الماضي إثر الهجمات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة على إيران، واستمرت مرحلتها الأولى 40 يومًا قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أبريل. لكن الخلافات بين الطرفين استمرت، وسط تهديدات متبادلة ومخاوف من تجدد المواجهات.


وفي 17 يونيو، توصلت الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية، إلى مذكرة تفاهم في إسلام آباد هدفت إلى تثبيت وقف العمليات العسكرية وفتح الطريق أمام مفاوضات تستمر 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق أوسع. كما تضمنت ترتيبات لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز في الاتجاهين.


غير أن التفاهم تعثر بسبب الخلاف على مسار عبور السفن؛ إذ أصرت إيران على استخدام مسار قريب من سواحلها، في حين طُرح مسار بديل بمحاذاة الساحل العُماني. ومع استهداف إيران سفنًا سلكت المسار العُماني، تصاعد الخلاف بشأن حرية الملاحة وتفسير بنود المذكرة، ما أسهم في انهيار التفاهم وتجدد المواجهات العسكرية.


وأدت اضطرابات الملاحة والقيود المفروضة على صادرات النفط والتجارة الإيرانية، إلى جانب تشديد العقوبات والضغوط المالية، إلى زيادة التحديات الاقتصادية التي تواجهها طهران، وتراجع قيمة العملة المحلية، وارتفاع الأعباء المعيشية.


هل تنجح الوساطة في منع مواجهة جديدة بين واشنطن وطهران؟


تعكس رسالة فانس إلى رضائي والوساطة القطرية والتحركات الإقليمية محاولة لاختبار فرص استئناف المفاوضات قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد العسكري.


لكن فرص التوصل إلى اتفاق لا تزال مرتبطة بتجاوز الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، والحصار البحري، والعقوبات، وترتيب الخطوات المتبادلة. وبينما تتمسك واشنطن بمطلب معالجة الملف النووي، تربط طهران أي تقدم بتخفيف الضغوط الاقتصادية والبحرية.


وفي ظل استمرار الاستعدادات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية والتهديدات المتبادلة، لا تزال نتيجة الاتصالات غير محسومة، كما لا توجد ضمانات حتى الآن بأن تنجح الوساطة في منع استئناف الحرب.