كتبت شيماء حمدالله
أعاد تصديق البرلمان الليبي على الاتفاق البحري المبرم مع تركيا عام 2019 فتح ملف النزاعات على الحدود البحرية وموارد الطاقة في شرق البحر المتوسط، وسط اعتراضات مصرية وإسرائيلية وتحركات دبلوماسية يونانية لمواجهة تداعيات الخطوة.
وبينما ترى أنقرة في الاتفاق وسيلة لحماية مصالحها البحرية وتعزيز تعاونها الاقتصادي مع ليبيا، تعتبر القاهرة أن المذكرة تمس حقوقها السيادية، في حين تتزايد التساؤلات بشأن تأثيرها على مشروعات الغاز الطبيعي وخطط تصديره إلى الأسواق الأوروبية.
وأقر مجلس النواب الليبي الاتفاق بالإجماع في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في خطوة عكست تحولًا في موقف المؤسسة التشريعية من مذكرة التفاهم التي وقعتها أنقرة وطرابلس قبل نحو سبع سنوات.
ويعيد القرار تسليط الضوء على التنافس الإقليمي بين تركيا ومصر واليونان وإسرائيل، في منطقة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية والأمنية.
الاتفاق البحري التركي–الليبي.. ماذا يتضمن؟
وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، برئاسة فايز السراج آنذاك، مذكرة التفاهم البحرية في إسطنبول يوم 27 نوفمبر 2019، ضمن حزمة اتفاقيات شملت أيضًا التعاون الأمني والعسكري. وصادق البرلمان التركي عليها في 5 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، لتدخل حيز التنفيذ.
وتحدد المذكرة إطارًا لترسيم الجرف القاري والمنطقتين الاقتصاديتين الخالصتين للبلدين، بالاستناد إلى إحداثيات جغرافية محددة، بما يتيح لتركيا وليبيا الاستناد إليها في المطالبة بحقوق سيادية على الموارد الطبيعية، بما فيها النفط والغاز الطبيعي، داخل المناطق البحرية المشمولة بالاتفاق.
كما تتضمن آليات للتشاور وتسوية الخلافات المتعلقة بتفسير المذكرة وتنفيذها، مع تأكيد مبدأ الترسيم المنصف ومراعاة الظروف الجغرافية والسواحل ذات الصلة.
وتستند الرؤية التركية إلى أن الجزر لا ينبغي أن تتمتع تلقائيًا بتأثير كامل عند ترسيم الحدود البحرية، خصوصًا عندما يؤدي ذلك إلى تقييد الحقوق البحرية للدول صاحبة السواحل القارية.
لكن هذا التفسير يواجه اعتراضات من اليونان وقبرص ومصر، التي ترى أن الاتفاق يتجاهل مصالحها البحرية، ما يجعل المذكرة جزءًا من نزاع أوسع بشأن تطبيق القانون الدولي للبحار.
لماذا غيّر البرلمان الليبي موقفه من الاتفاق؟
تكتسب مصادقة مجلس النواب الليبي أهمية سياسية بسبب المواقف السابقة لعدد من القوى السياسية والعسكرية في شرق ليبيا، التي عارضت الاتفاق خلال سنوات الصراع بين الفصائل المتنافسة.
وكانت تركيا قد دعمت حكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس، بينما قاتلت قوات مرتبطة بخليفة حفتر ضدها. ولذلك، فإن إقرار الاتفاق من جانب البرلمان الليبي قد يوسّع قاعدة الدعم السياسي للتعاون مع أنقرة، بعد سنوات من الانقسام حول شرعيته وجدواه.
ويرى مؤيدو المذكرة أنها تفتح المجال أمام تعزيز الشراكة الاقتصادية والتعاون في مجال الطاقة، لكن المصادقة البرلمانية لا تعني انتهاء الخلافات الدولية بشأن الحدود البحرية، ولا تحسم وحدها مدى قبول الدول الأخرى بالترتيبات التي تتضمنها.
مصر ترفض الاتفاق وتتمسك بحقوقها البحرية
أعلنت مصر رفضها الشديد للقرار الليبي، ووصفت وزارة الخارجية المصرية مذكرة التفاهم بأنها «باطلة بطلانًا مطلقًا ولا يترتب عليها أي أثر قانوني».
وتتمسك القاهرة بأن الاتفاق يتعارض مع القانون الدولي للبحار ويمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري. كما أكدت رفضها لأي إجراءات تستند إلى المذكرة إذا تعارضت مع الحدود البحرية التي أعلنتها مصر.
وتتصل حساسية الملف بالاتفاق البحري الذي وقعته مصر واليونان في أغسطس 2020، لترسيم جزء من الحدود بين منطقتيهما الاقتصاديتين الخالصتين في شرق المتوسط. ويشكل هذا الاتفاق أحد عناصر التداخل بين المطالبات البحرية المتنافسة في المنطقة.
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الخارجية اليونانية أن أثينا والقاهرة اتفقتا على مواصلة المشاورات بهدف توسيع النطاق الجغرافي لاتفاقهما البحري، بما يعكس استمرار التنسيق بين البلدين بشأن ترسيم الحدود البحرية.
تركيا تحاول احتواء الخلاف مع القاهرة
رغم ترحيب أنقرة بالخطوة الليبية، فإنها تسعى إلى تجنب تحول الخلاف حول الاتفاق إلى أزمة دبلوماسية جديدة مع مصر.
وقال السفير التركي لدى القاهرة، صالح موتلو شن، إن بلاده لا تعتقد أن قرار البرلمان الليبي يستهدف الإضرار بالمصالح المصرية، مؤكدًا عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، ومعربًا عن ثقته بأن القضية لن تقود إلى أزمة ثنائية كبرى.
لكن التصريحات التركية لم تُنهِ الخلاف بشأن جوهر المذكرة. فأنقرة تعتبر الاتفاق إطارًا مشروعًا لحماية المصالح التركية والليبية، بينما تصر القاهرة على أن أي ترتيبات بحرية لا يجوز أن تنتقص من حقوقها السيادية.
ويضع هذا التباين العلاقات المصرية–التركية أمام اختبار دبلوماسي، خصوصًا مع تزايد أهمية شرق المتوسط في حسابات الطاقة والأمن الإقليمي.
حمزة تكين: الاتفاق يخدم استراتيجية تركيا البحرية
في مقابلة حصرية مع الصحفي ستيفن صهيوني، قدم الكاتب والصحفي التركي حمزة تكين، مؤلف كتاب *الكابوس والجاسوس*، قراءة استراتيجية للاتفاق، معتبرًا أنه يتجاوز حدود التفاهم الثنائي التقليدي بين دولتين.
وحدد تكين ثلاثة أهداف رئيسية للمذكرة؛ أولها بناء شراكة استراتيجية قوية ومستدامة بين تركيا وليبيا، وثانيها تعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة، خصوصًا في قطاعي النفط والغاز الطبيعي، وثالثها حماية ما تعتبره أنقرة حقوقها المشروعة في الجرف القاري بشرق البحر المتوسط.
واتهم تكين اليونان وإسرائيل والإدارة القبرصية اليونانية باتباع سياسات تهدف، بحسب تقديره، إلى تقييد وصول تركيا إلى المجال البحري وتقليص نصيبها من موارد المنطقة. ورأى أن الاتفاق يوجه رسالة سياسية مفادها أن أنقرة لن تقبل بترتيبات تستبعدها من مناطق تعتبرها ضمن حقوقها البحرية.
وربط الكاتب هذه الرؤية بعقيدة «مافي وطن» (Mavi Vatan)، المعروفة باسم «الوطن الأزرق»، التي تركز على أهمية المجال البحري والقوة البحرية والبحار المحيطة بتركيا في حسابات الأمن القومي.
لماذا تعارض إسرائيل الاتفاق التركي–الليبي؟
يرى تكين أن إسرائيل تنظر إلى الاتفاق باعتباره عاملًا قد يؤثر على طموحاتها الإقليمية في شرق البحر المتوسط، لا سيما في مجالات التنقيب عن الطاقة ونقل الغاز الطبيعي وتصديره إلى أوروبا.
وبحسب تقديره، فإن تعزيز التعاون التركي–الليبي قد يحد من قدرة إسرائيل على تنفيذ خططها المتعلقة بالطاقة البحرية من دون مراعاة المصالح التركية. كما اعتبر أن الاتفاق يمنح أنقرة ورقة نفوذ جيوسياسي إضافية في مواجهة إسرائيل واليونان وقبرص، والدول الأوروبية الداعمة لمواقف هذه الأطراف، بما فيها فرنسا.
ورفض تكين حصر الخلاف في المنافسة الاقتصادية على الغاز، معتبرًا أن القضية ترتبط أيضًا بتصور تركيا لحقوقها البحرية ومكانتها الاستراتيجية في المنطقة. وأضاف أن أنقرة ترى أن بعض الترتيبات الإقليمية تستهدف تقليص حصتها من الموارد البحرية، بينما تسعى الدول الأخرى إلى تعزيز مواقعها.
وشدد تكين على أن تركيا لن تتراجع، وفق رؤيته، عن عقيدة «الوطن الأزرق»، مشيرًا إلى استعداد البحرية التركية والقوات المسلحة للدفاع عن المصالح التي تعتبرها أنقرة مشروعة إذا اقتضت الظروف.
وتعكس هذه التصريحات الموقف التركي المتشدد من النزاع، لكنها تظل تعبيرًا عن تقييم تكين للحسابات الإقليمية، ولا تعني حسم الجوانب القانونية المتنازع عليها أو إثبات وجود تعارض قانوني محدد بين الاتفاق ومشروعات الطاقة الإسرائيلية.
هل يحسم الاتفاق مستقبل الغاز في شرق المتوسط؟
قد تمنح المصادقة الليبية تركيا فرصة لتعزيز موقفها السياسي وتوسيع تعاونها مع طرابلس، لكنها لا تنهي النزاع حول ترسيم الحدود البحرية، ولا تحسم حقوق الدول الثالثة أو آثار المذكرة على المناطق الاقتصادية الخالصة المتداخلة والمتنازع عليها.
وتكشف الأزمة عن ارتباط ملفات الطاقة بالتحالفات السياسية والحسابات الأمنية في شرق المتوسط؛ فالخلاف لا يتعلق فقط بمن يملك حق التنقيب عن الغاز والنفط، بل يمتد إلى تحديد نطاق النفوذ البحري ومسارات التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة.
وبينما تتمسك تركيا بالاتفاق باعتباره أداة لحماية مصالحها البحرية، تواصل مصر الاعتراض عليه دفاعًا عن حقوقها السيادية، فيما تنظر إسرائيل واليونان وقبرص إلى تداعياته من زاوية مصالحها البحرية والإقليمية.
وتظل التسوية الدبلوماسية والتفاوض بشأن الحدود البحرية من أبرز المسارات الممكنة لاحتواء الخلاف، في وقت لا تكفي فيه المصادقات السياسية أو التصريحات الاستراتيجية وحدها لحسم النزاعات القانونية.
ويتوقف مستقبل الاتفاق على كيفية التعامل مع المطالبات المتعارضة، ومدى الالتزام بأحكام القانون الدولي واجبة التطبيق، وقدرة دول شرق المتوسط على حماية مصالحها من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع.



