كتبت شيماء حمدالله
يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اختبارًا سياسيًا وأمنيًا مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 أكتوبر 2026، بعدما أثارت عقيدته الجديدة للأمن القومي جدلًا واسعًا داخل إسرائيل، وسط انتقادات المعارضة لغياب استراتيجية واضحة، وتصاعد المخاوف من مواجهة عسكرية جديدة مع إيران. وبينما يطرح نتنياهو الضربات الاستباقية والتفوق العسكري وتوسيع المناطق العازلة باعتبارها ركائز لحماية إسرائيل، يرى خصومه أن هذه الرؤية لا تقدم إجابات حقيقية عن الإخفاقات الأمنية، ولا تعالج التحديات السياسية التي تهدد مستقبله في الحكم.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، وتراجع فرص معسكر نتنياهو في تحقيق أغلبية برلمانية واضحة، بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لولاية جديدة لرئيس الوزراء الإسرائيلي. وفي المقابل، تحذر طهران من أن أي هجوم إسرائيلي جديد قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع، ما يضع نتنياهو أمام معادلة صعبة تجمع بين حسابات الأمن القومي وضغوط الانتخابات ومخاطر التصعيد الإقليمي.
عقيدة نتنياهو للأمن القومي تضع إيران في صدارة التهديدات
كشف نتنياهو، خلال إحاطة أمنية في القدس، عن وثيقة جديدة للأمن القومي الإسرائيلي عُرضت في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ووصفتها وسائل إعلام إسرائيلية بأنها الأولى من نوعها منذ نحو عقد. وتتألف الوثيقة من ثلاث صفحات، بما فيها الغلاف، وتضم عشرة مبادئ أساسية، تضع إيران في مقدمة التهديدات التي تواجه إسرائيل.
وتمنح العقيدة الجديدة القيادة الإسرائيلية مساحة واسعة للتحرك العسكري الاستباقي، بما يسمح بتنفيذ ضربات عندما ترى الحكومة ضرورة لذلك. كما أشار نتنياهو إلى إمكانية استهداف البرنامج النووي الإيراني بصورة مستقلة، حتى من دون دعم أمريكي أو تنسيق مسبق مع واشنطن.
ويستند نتنياهو في تبرير هذه الرؤية إلى هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي قادته حركة حماس، معتبرًا أنه كشف عن طبيعة التهديدات الإقليمية التي تواجه إسرائيل. وادّعى أن العمليات العسكرية التي امتدت من غزة إلى لبنان واليمن وإيران أضعفت الشبكة المرتبطة بطهران وقلّصت ما وصفه بالتهديد النووي الوشيك.
لكن هذه المقاربة تفتح تساؤلات بشأن قدرة التفوق العسكري وحده على تحقيق أمن مستدام، خصوصًا مع استمرار المواجهات الإقليمية وتزايد الخلافات حول نتائج الحرب وأهدافها.
خريطة التحالفات الإقليمية تكشف حسابات إسرائيل الاستراتيجية
لم يقتصر الجدل على مضمون الوثيقة، بل امتد إلى الخريطة الجيوسياسية التي عُرضت خلال تقديمها، والتي صنّفت دول المنطقة والجهات الفاعلة من غير الدول ضمن مجموعات تعكس تصورات إسرائيلية عن التحالفات وموازين القوى.
واستندت الخريطة إلى أبحاث مارك ساكسر وماركوس شنايدر، المنشورة في مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية بتاريخ 19 مايو/أيار 2026، وقدمت تصورًا لثلاثة اصطفافات إقليمية رئيسية.
تضم المجموعة الأولى، التي تحمل اسم «الماسة السنية» وتظهر باللون الأخضر، تركيا ومصر والسعودية وباكستان. ويشير اللون الأخضر الفاتح إلى دول تصوّرها الخريطة باعتبارها متقاربة مع هذه المجموعة، ومنها السودان وسوريا والأردن ولبنان وإريتريا وجيبوتي والصومال.
أما المجموعة الثانية، التي أطلق عليها نتنياهو اسم «تحالف السداسي»، فتظهر باللون الأزرق، وتضم إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقبرص واليونان والهند. كما تتضمن الخريطة تظليلات خاصة لجهات مسلحة ومناطق جغرافية تُصوَّر باعتبارها قريبة من هذا الاصطفاف، بما في ذلك قوات الدعم السريع في أجزاء من السودان، والقوات الموالية لخليفة حفتر في ليبيا، وأطراف فاعلة في جنوب اليمن وكيانات في أرض الصومال. وتظهر إثيوبيا باللون الأزرق الفاتح باعتبارها دولة صديقة لإسرائيل والإمارات.
في المقابل، تضم المجموعة الثالثة، الممثلة باللون الأحمر، إيران وعددًا من التنظيمات المسلحة المرتبطة بطهران، من بينها حزب الله في لبنان، وحركة أنصار الله الحوثية في اليمن، ومجموعات مسلحة تنشط في العراق وسوريا.
وتكشف هذه التصنيفات عن تصور إسرائيلي لمنطقة تتنافس فيها التكتلات الإقليمية على النفوذ والأمن. كما تبرز أن العلاقات الدبلوماسية الرسمية، بما فيها علاقات إسرائيل مع مصر وتركيا، لا تعني بالضرورة تطابق المصالح الاستراتيجية أو الأولويات الأمنية.
المعارضة الإسرائيلية تتهم نتنياهو بتوظيف الأمن سياسيًا
واجهت العقيدة الجديدة انتقادات حادة من قادة المعارضة، الذين شككوا في قدرتها على تقديم استراتيجية متكاملة للأمن القومي، واعتبروا توقيت إعلانها مرتبطًا بالاستحقاق الانتخابي ومحاولات نتنياهو الدفاع عن سجله السياسي.
ووصف زعيم المعارضة يائير لابيد الوثيقة، في منشور على منصة «إكس»، بأنها سطحية وغريبة، مشبهًا مستواها بما قد ينتجه إصدار مجاني من روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي. ورأى أنها لا تعالج التحديات الأمنية الأساسية، بل تحاول التغطية على إخفاقات الحكومة.
كما انتقد لابيد رفض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر، وعدم تحقيق تقدم كافٍ في توسيع اتفاقيات التطبيع، فضلًا عن السياسات التي قال إنها أضرت بمكانة إسرائيل الدولية وعمّقت الانقسامات الداخلية.
وامتدت انتقاداته إلى دعم الحكومة ترتيبات تسمح للرجال اليهود المتشددين دينيًا بتجنب الخدمة العسكرية، معتبرًا أن هذا التوجه يتعارض مع الدعوات الرسمية لتعزيز القوة العسكرية والصمود الوطني.
من جانبه، وصف غادي آيزنكوت الوثيقة بأنها صفحات فارغة لا تحمل سوى الشعارات، معتبرًا أن نشرها قبل تسعة أيام من الانتخابات، وبعد نحو ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر، يستهدف تحويل انتباه الناخبين بعيدًا عن أداء الحكومة.
واتهم آيزنكوت نتنياهو بالإخفاق في تحقيق أهداف رئيسية خلال الحرب، من بينها تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحركة حماس، وإضعاف حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وردع حزب الله، والحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية المحتلة، وصون الوحدة الداخلية الإسرائيلية.
كذلك انتقد وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان العلاقة السياسية بين نتنياهو وترامب، معتبرًا أن من الملائم للرئيس الأمريكي إدارة إسرائيل عبر رئيس وزراء وصفه بأنه «دمية».
وتشير هذه المواقف إلى أن الخلاف يتجاوز صياغة وثيقة أمنية جديدة، ليصل إلى جوهر القيادة السياسية في إسرائيل، ومدى نجاح النهج العسكري في تحقيق الأهداف المعلنة، وقدرته على توفير أمن طويل الأمد.
استطلاعات الرأي تضع نتنياهو أمام معركة انتخابية صعبة
تأتي الانتقادات في وقت لا تمنح فيه استطلاعات الرأي أيًا من المعسكرين السياسيين طريقًا واضحًا نحو الأغلبية البرلمانية، ما يزيد الضغوط على نتنياهو لإثبات قدرته على الاحتفاظ بالسلطة.
ووفقًا لاستطلاع أوردته هيئة البث الإسرائيلية العامة، تراجع عدد المقاعد المتوقع أن يحصل عليها معسكر نتنياهو من 53 إلى 51 مقعدًا، بينما ارتفع العدد المتوقع لمعسكر المعارضة المرتبط بآيزنكوت من 50 إلى 52 مقعدًا.
ولا تمنح هذه الأرقام أيًا من الطرفين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعدًا في الكنيست المؤلف من 120 عضوًا.
وأظهر الاستطلاع أيضًا تقدم آيزنكوت على نتنياهو في سؤال تفضيل المرشح لرئاسة الحكومة، إذ حصل على تأييد 43% من المشاركين، مقابل 35% لنتنياهو، الذي تراجعت نسبة تأييده من 38% في استطلاع الأسبوع السابق.
وتعكس هذه النتائج صعوبة المعركة الانتخابية التي يخوضها رئيس الوزراء، خصوصًا مع تصاعد الجدل حول نتائج الحرب، والمساءلة عن هجوم السابع من أكتوبر، والانقسامات المتعلقة بتوزيع أعباء الخدمة العسكرية.
ترامب يدعم نتنياهو رغم تعقيدات المواجهة مع إيران
في مواجهة الضغوط الداخلية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأييده الكامل لمساعي نتنياهو للفوز بولاية جديدة. وأشاد، في رسالة نشرها على منصة «تروث سوشيال»، برئيس الوزراء الإسرائيلي، واصفًا إياه بالقوي والشجاع والصامد، ومقدمًا إياه باعتباره شريكًا في زمن الحرب واجه معارضة داخلية كبيرة.
كما أشاد ترامب بتعاون نتنياهو مع واشنطن خلال العمليات العسكرية ضد إيران، ووجّه دعوة صريحة إلى الناخبين الإسرائيليين لدعم استمرار قيادته.
غير أن هذا الدعم لا يلغي تعقيدات العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، خصوصًا مع الخلافات المتعلقة بإيران وحدود التحرك العسكري المستقل. كما أثارت الحرب التي تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل جدلًا دوليًا واسعًا، بالتزامن مع اضطرابات اقتصادية ناجمة عن التصعيد الإقليمي.
ويبرز هنا تناقض سياسي مهم؛ فبينما يسعى ترامب إلى تعزيز فرص نتنياهو الانتخابية، تصر المعارضة الإسرائيلية على أن سياساته الأمنية لم تحقق النتائج التي وعد بها. وتزداد أهمية هذا التباين لأن إيران تمثل محورًا رئيسيًا في العقيدة الجديدة، فضلًا عن كونها إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
إيران تحذر من هجوم إسرائيلي جديد وتتهم نتنياهو بجر واشنطن إلى الحرب
ردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على تصريحات نتنياهو بشأن إمكانية التحرك العسكري بصورة مستقلة عن الولايات المتحدة، محذرًا من مخاطر الدخول في مواجهة جديدة.
وقال عراقجي، في منشور على منصة «إكس»، إن إيران خرجت من المواجهة السابقة أكثر قوة، مشيرًا إلى أن لدى طهران حسابات لم تُحسم. كما اتهم نتنياهو بالسعي إلى جر الولايات المتحدة نحو حرب جديدة بهدف حماية مستقبله السياسي، بصرف النظر عن العواقب التي قد تتحملها إسرائيل أو الرئيس الأمريكي.
وتكشف هذه التصريحات عن اتساع الفجوة بين التصورات الأمنية الإسرائيلية والإيرانية. فإسرائيل تعتبر البرنامج النووي الإيراني وقدرات الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران من أبرز مصادر التهديد، بينما ترى إيران أن احتمال تعرضها لهجوم إسرائيلي جديد يمثل خطرًا مباشرًا على أمنها القومي.
ويزيد غياب تفاهم دبلوماسي فعال من صعوبة احتواء التصعيد، في وقت قد يؤدي فيه تحرك إسرائيلي منفرد إلى تعقيد العلاقات مع واشنطن، فضلًا عن زيادة احتمالات اتساع نطاق المواجهة.
وبذلك، يواجه نتنياهو معادلة دقيقة: فحرية التحرك العسكري قد تمنحه قدرة أكبر على التعامل مع ما تعتبره إسرائيل تهديدات مباشرة، لكنها قد تفرض عليه في الوقت نفسه تكاليف سياسية واستراتيجية إذا أدت إلى خلاف مع الولايات المتحدة أو إلى مواجهة إقليمية أوسع.
هل تنقذ عقيدة الأمن القومي مستقبل نتنياهو السياسي؟
تقوم عقيدة نتنياهو الجديدة على التفوق العسكري والضربات الاستباقية واحتواء إيران وشركائها الإقليميين. غير أن الجدل الذي رافق إعلانها يكشف أن الأمن القومي الإسرائيلي لا ينفصل عن قضايا المساءلة السياسية والشرعية الدولية، فضلًا عن التساؤلات المتعلقة بقدرة المواجهات العسكرية طويلة الأمد على توفير استقرار حقيقي.
وقد تشكل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول اختبارًا حاسمًا لمدى اقتناع الناخبين بقدرة نتنياهو على مواصلة تنفيذ رؤيته، خصوصًا مع احتدام المنافسة الانتخابية، وتصاعد انتقادات المعارضة، واستمرار التوتر مع إيران.
لكن الإشكالية الأساسية، وفق هذه القراءة، لا تتعلق بالوسائل العسكرية وحدها، بل بالأسباب التي تغذي الصراع وتمنع الوصول إلى تسوية مستدامة. فاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق من جنوب سوريا وجنوب لبنان، يظل جزءًا من المشهد الذي تتداخل فيه النزاعات الإقليمية والمخاوف الأمنية.
ولا تقدم العقيدة الجديدة، بحسب هذا الطرح، معالجة كافية للجذور السياسية للصراع، أو تصورًا واضحًا لكيفية تمكين الإسرائيليين من العيش في سلام بعيدًا عن التهديدات الأمنية المتكررة.
ويرى هذا المنظور أن إنهاء الاحتلال وسحب القوات الإسرائيلية من لبنان وسوريا يمثلان خطوتين ضروريتين نحو تغيير البيئة التي تغذي المواجهة، ووقف تصاعد الصراع مع إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها. ويستند هذا الطرح إلى اعتبار أن إنهاء الاحتلال من شأنه إزالة أحد دوافع المقاومة المسلحة.
في النهاية، يقف نتنياهو بين خيارين شديدي التعقيد: مواصلة الاعتماد على القوة العسكرية باعتبارها الضمان الأساسي للأمن، أو مواجهة الأسئلة السياسية التي تطرحها المعارضة بشأن نتائج الحروب ومستقبل العلاقات الإقليمية. وبين فخ التصعيد مع إيران وشبح خسارة الانتخابات، ستحدد قدرة نتنياهو على إقناع الناخبين بجدوى عقيدته الجديدة جانبًا مهمًا من مستقبله السياسي.




