لم يكن تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد قرارًا عاديًا، فالموعد الذي كان مقررًا لبدء العمل بالقانون حلّ في الأول من أكتوبر 2026، بينما اتخذ مجلس النواب قبلها بساعات قرارًا بإرجاء التطبيق لمدة عام، لتبدأ مرحلة جديدة من الاستعدادات حتى الموعد المحدد في الأول من أكتوبر 2027.
القصة بدأت يوم الأربعاء 30 سبتمبر، عندما عقد مجلس النواب جلسة طارئة وغير عادية لمناقشة تعديل موعد بدء سريان قانون الإجراءات الجنائية، بعد أن وافقت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية على مشروع القانون المقدم من النائب هشام الحصري وأكثر من عُشر أعضاء المجلس.
لكن لماذا احتاج القانون إلى عام إضافي قبل دخوله حيز التنفيذ؟
بحسب المذكرة الإيضاحية والتقرير البرلماني، فإن قانون الإجراءات الجنائية الجديد استحدث عددًا من الأحكام والإجراءات التي تتطلب استكمال متطلبات تنظيمية ومؤسسية وتقنية وبشرية قبل تطبيقها بصورة كاملة، خاصة أن القانون لا يقتصر على تعديل إجراءات مكتوبة، وإنما يتطلب تجهيز منظومة عمل متكاملة تمتد إلى المحاكم والجهات المرتبطة بالدعوى الجنائية.
ومن أبرز الملفات التي تحتاج إلى استكمال، النظم الإلكترونية الخاصة بالإعلان والتقاضي عن بُعد، وقواعد البيانات ووسائل الربط والرقمنة، إلى جانب تجهيز المحاكم وقاعات التحقيق والتأكد من قدرة البنية الفنية على التعامل مع الإجراءات المستحدثة.
وهنا ظهرت نقطة أخرى خلال مناقشات جلسة الأربعاء، وهي أن الاستعدادات لم تكن في مستوى واحد داخل جميع المحاكم؛ إذ أوضحت الحكومة أن عددًا من المحاكم تم تجهيزه بالفعل، بينما لا تزال جهات ومحاكم أخرى بحاجة إلى استكمال أعمال التجهيز والبنية التحتية، ومن بينها محاكم استئناف الجنايات.
ماذا قال وزير شؤون المجالس النيابية؟
خلال الجلسة، أكد المستشار هاني حنا، وزير شؤون المجالس النيابية، دعم الحكومة لمشروع تأجيل التطبيق لمدة عام، موضحًا أن الجهات المعنية تعمل منذ صدور القانون على تجهيز المحاكم وقاعات التحقيق، واستكمال منظومة الميكنة والتجهيزات الفنية اللازمة.
وأوضح الوزير أن العام الإضافي لن يكون مجرد فترة انتظار، وإنما سيُستغل في استكمال الاختبارات والتجهيزات والتأكد من جاهزية مختلف عناصر المنظومة، خاصة أن القانون سيطبق على مستوى الجمهورية، وهو ما يتطلب أن تكون الإجراءات والأنظمة المستخدمة قادرة على العمل بصورة متكاملة في مختلف الجهات والمحاكم.
كما شدد على أن التأجيل يستهدف ضمان حسن تطبيق القانون وليس تعطيل إنفاذه، مع إتاحة الوقت الكافي لرصد أي مشكلات قد تظهر أثناء اختبار الأنظمة والإجراءات الجديدة ومعالجتها قبل بدء التطبيق الرسمي.
ولماذا عام واحد تحديدًا؟
خلال المناقشات، تمسك وزير شؤون المجالس النيابية بأن تكون مدة التأجيل عامًا واحدًا، باعتبارها فترة تسمح باستكمال الاختبارات والتجهيزات المطلوبة والتحقق من جاهزية المنظومة، وذلك في ضوء ما تم إنجازه بالفعل من استعدادات. وكانت هناك مناقشات حول مدة التأجيل، إلا أن الصيغة النهائية التي أقرها المجلس جاءت لعام واحد.
وماذا حدث داخل البرلمان؟
في صباح الأربعاء، ناقشت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية مشروع القانون، بحضور وزير شؤون المجالس النيابية، ثم انتقل المشروع إلى الجلسة العامة غير العادية التي انعقدت في اليوم نفسه.
وبعد مناقشات مستفيضة، وافق مجلس النواب نهائيًا على تعديل موعد بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية، ليصبح الأول من أكتوبر 2027 بدلًا من الأول من أكتوبر 2026.
ويكشف توقيت القرار حجم أهمية الاستعدادات السابقة على تطبيق القانون، خاصة أن مجلس النواب كان قد عقد جلسته الطارئة في اليوم السابق مباشرة للموعد المقرر لسريان القانون. ووفقًا لبيان المجلس، جاءت الجلسة بناءً على دعوة لعقد اجتماع غير عادي للنظر في التعديل، قبل بدء دور الانعقاد العادي الثاني في الأول من أكتوبر.
وماذا يعني التأجيل بالنسبة للقانون؟
التأجيل لا يعني إلغاء قانون الإجراءات الجنائية الجديد أو إعادة مناقشته من البداية، وإنما يتعلق بتغيير موعد بدء العمل بأحكامه إلى الأول من أكتوبر 2027، مع منح الجهات المعنية فترة إضافية لاستكمال المتطلبات اللازمة للتطبيق.
وخلال هذه الفترة، تتركز الاستعدادات على استكمال البنية التكنولوجية، وتجهيز المحاكم، واختبار النظم الإلكترونية، وتأهيل الكوادر البشرية، وتحقيق التنسيق بين الجهات المختلفة التي تتعامل مع إجراءات الدعوى الجنائية.
وبذلك، تحولت الساعات الأخيرة قبل الموعد المحدد لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية إلى جلسة طارئة داخل البرلمان، انتهت بمنح المنظومة عامًا إضافيًا للاستعداد. والموعد الجديد أصبح واضحًا: الأول من أكتوبر 2027، على أن تكون الفترة المقبلة مخصصة لاستكمال التجهيزات واختبار الإجراءات الجديدة قبل بدء التطبيق الفعلي على مستوى الجمهورية.
