لغة البارود بديلًا عن طاولة الحوار.. كواليس المفاوضات "الميتة إكلينيكيًا" بين واشنطن وطهران

أمريكا وإيران

​فجرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية مفاجأة ثقيلة بكشفها أن المفاوضات بين واشنطن وطهران لم تعد تدور خلف كواليس الدبلوماسية، بل باتت تُكتب بالإنذارات والضربات العسكرية المتبادلة، مؤكدة الغياب التام لأي محادثات مباشرة بين الطرفين منذ أبريل الماضي، في وقت يترنح فيه وقف إطلاق النار الهش -المعلن في الثامن من الشهر ذاته- على شفا الانهيار الكامل.


​حرب المنصات والقصف المتبادل.. "النار الأقل اشتعالاً" تهدد بالانفجار

​اشتعلت جبهة المواجهة مجدداً عندما اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصات التواصل الاجتماعي ليعلن عبرها عما وصفه بـ"العزم على توجيه ضربات جديدة ضد إيران". وجاء التهديد الـ"ترامبي" رداً على صواريخ إيرانية استهدفت أصولاً عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين والأردن، والتي أطلقتها طهران انتقاماً لهجمات أمريكية سابقة استهدفت جنوب إيران قرب مضيق هرمز، لتتحول الأزمة إلى حلقة مفرغة من الردود الانتقامية.


​بالتزامن مع هذا التصعيد الميداني، أكد المركز الأمريكي للقيادة المركزية شن ضربات إضافية ضد أهداف متعددة في العمق الإيراني، تلاها تواتر أنباء عن انفجارات دوت في جنوب البلاد. ورغم قتامة هذا المشهد، حاول الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، تلطيف الأجواء بوصفه وقف إطلاق النار الحالي بأنه "أشبه بنار أقل اشتعالاً"، مستبعداً العودة الفورية إلى حرب شاملة، لكنه لم يتردد في إبداء قلقه البالغ من تحرك الطرفين نحو حافة الهاوية.


​كواليس "ماراثون إسلام آباد".. دبلوماسية "الوسطاء" وتعديلات الرفض

​وفقاً لـ"واشنطن بوست"، دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة "الموت الإكلينيكي" دبلوماسياً؛ حيث لم تُسجل أي محادثات مباشرة منذ الحادي عشر من أبريل الماضي، حين توقف آخر قطار للدبلوماسية المباشرة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. هناك وقاد نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس"، بمشاركة المفاوضين "ستيف ويتكوف" و"جاريد كوشنر"، جلسات ماراثونية استمرت لأكثر من عشرين ساعة مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، ورغم أن "فانس" أعلن حينها أن المحادثات حققت تقدماً ما، إلا أنه اعترف صراحة بأن طهران لم تكن مستعدة للقبول بالشروط الأمريكية السقف.


​ومنذ تلك اللحظة، انزوت اللقاءات المباشرة تماماً، واقتصر التواصل على "حرب الأوراق" عبر وسطاء يتبادلون مسودة مذكرة تفاهم يعيد كل طرف صياغة بنودها بطريقة يجدها الآخر مستحيلة القبول. وفي الوقت الذي يصر فيه ترامب على أن المحادثات مستمرة نافياً قطع القنوات، أعلنت طهران رسمياً تعليق كل اتصال مع واشنطن، احتجاجاً على الغارات الإسرائيلية المتواصلة ضد حزب الله في لبنان.


​لغم "المدد الزمنية" وعقدة "لا تخصيب على الإطلاق"

​تتمحور الخلافات الشائكة بين البلدين حول ملفين يمثلان عصب الأزمة، أولهما معادلة التخصيب؛ حيث عرض "فانس" في لقاء إسلام آباد تجميد برنامج التخصيب الإيراني لمدة عشرين عاماً، بينما ردت طهران بالسقف الأدنى الذي لا يتجاوز عشر سنوات، وسط تفاؤل أمريكي حذر بالوصول إلى تسوية وسط مدتها خمسة عشر عاماً، وهي المدة ذاتها التي نص عليها اتفاق أوباما الشهير عام 2015.


​ولم يكن الخلاف الحقيقي رقمياً أو مرتبطاً بالمدد الزمنية فحسب، بل اصطدم بالخطوط الحمراء للبلدين، فبينما تتمسك إيران بحقها الثابت في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية، جاءت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الصارمة أمام مجلس الشيوخ لتقطع الطريق أمام أي تفاهم بإعلانه أنه لن يكون هناك أي تخصيب على الإطلاق، وهو الموقف الذي فجر مواجهة مباشرة مع الرؤية الإيرانية.


​فخ "الإتاوات البحرية" ولغز "اليورانيوم المدفون"

​أما على جبهة مضيق هرمز، الذي يتحكم وحده في نحو عشرين بالمئة من إمدادات الطاقة العالمية، فتبدو العقدة أكثر تعقيداً مع تمسك طهران بحقها في استيفاء رسوم مالية وإتاوات مقابل ضمان الملاحة الآمنة، وهو ما ترفضه إدارة ترامب جملة وتفصيلًا. وفي هذا السياق، كشف المسؤول الإيراني كاظم غريب آبادي أن المذكرة المطروحة حالياً لا تتناول الملف النووي أساساً، بل تقتصر على شروط إعادة فتح المضيق، على أن تُفتح الملفات النووية بعد ستين يوماً من التوقيع.


​بالمقابل، نسف ترامب هذا المقترح الإيراني بإصراره الصارم على تضمين أي اتفاق قيوداً نووية صريحة وفورية، مفجراً قنبلة سياسية بحديثه عن موافقة إيران على دخول الأمريكيين لأراضيها لاستخراج مائتي كيلوجرام من اليورانيوم المخصب المدفون تحت ركام المواقع النووية التي قُصفت مؤخراً، وهي الرواية الدرامية التي سارعت طهران لنفيها وتكذيبها بشكل قاطع.


​صقور واشنطن والحرس الثوري.. المتشددون يلتهمون هامش التسوية

​في نهاية المطاف، لم تعد الأزمة تقنية أو دبلوماسية فحسب، بل تحكمها جبهات داخلية غاضبة في البلدين تضيق الخناق على المفاوضين وتمنعهم من الحركة، ففي واشنطن يضغط صقور الحزب الجمهوري داخل الكونجرس نحو خيار وحيد لا بديل عنه وهو إسقاط النظام الإيراني بالكامل، رافضين الاكتفاء بأي اتفاقيات تقليدية لكبح الجماح النووي.


​وعلى الجانب الآخر من المعادلة، يبدو المشهد في طهران أكثر راديكالية وعناداً، إذ يرى فالي نصر، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز، أن الحرس الثوري الإيراني خرج من محنة أربعين يوماً من القصف المتواصل وهو في موقع أقوى سياسياً من ذي قبل، مؤكداً أن القيادة الإيرانية الجديدة أصبحت ترى في الاعتدال والدبلوماسية السابقة سبباً أساسياً لما آلت إليه الأوضاع من دمار، مما يجعلها أصلب عوداً، وأقل استعداداً لتقديم تنازلات مقارنة بأي وقت مضى.