الرقابة المالية تستعرض استراتيجيتها لنشر الثقافة المالية.. 5 محاور لتمكين المواطنين من الاستثمار الآمن

خلال الفاعلية

شاركت الهيئة العامة للرقابة المالية في فعاليات «أسبوع المستثمر العالمي»، المبادرة السنوية التي أطلقتها المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية (الأيوسكو – IOSCO)، بهدف توحيد الجهود الدولية لنشر الثقافة المالية، وتعزيز حماية المستثمرين، وترسيخ نزاهة الأسواق، والتي استضافتها البورصة المصرية بالتزامن مع بدء جلسة التداول اليوم.

ومثّل الدكتور محمد عبد العزيز، مساعد رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة، خلال الفعاليات، حيث ألقى كلمة استعرض خلالها أبرز محاور استراتيجية الهيئة لنشر الوعي والثقافة المالية بين المواطنين، انطلاقًا من أهمية تعزيز قدرة الأفراد والمؤسسات على اتخاذ قرارات استثمارية سليمة، والاستفادة من القنوات الاستثمارية الآمنة، والوقاية من مخاطر الممارسات السلبية والمستحدثة في الأسواق المالية.

وجاء ذلك خلال احتفالية قرع جرس التداول، بحضور الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار، وعمر رضوان، رئيس البورصة المصرية، والدكتور طارق سيف، نائب رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، ومحمود جبريل وحمدي بدوي، مساعدي رئيس الهيئة، إلى جانب عدد من قيادات الجهات الرقابية والحكومية والمستثمرين.

الرقابة المالية: الوعي المالي ضرورة لدعم الاقتصاد الوطني

واستهل الدكتور محمد عبد العزيز كلمته بالإشارة إلى الدراسات الاقتصادية التي تناولت العلاقة بين سلوك الأفراد والشركات وأداء الاقتصاد ككل، مستشهدًا بأعمال الاقتصاديين روبرت هول ومايكل وودفورد، الفائزين بجائزة نوبل للاقتصاد، وما قدمته دراساتهما من إسهامات في تطوير الأطر النظرية والتحليلية للاقتصاد الكلي، بما يعزز فهم تأثير القرارات الفردية في السياسات الاقتصادية ونتائجها.

وأوضح أن وعي المواطنين وقراراتهم المتعلقة بالادخار والاستهلاك والاستثمار تمثل عوامل مؤثرة في نجاح السياسات العامة للدول، مشيرًا إلى أن سلوك الأفراد يتشكل بدرجة كبيرة وفقًا للظروف المحيطة ومستوى الثقافة المالية المتاح لهم.

وأكد أن التوعية المالية لم تعد رفاهية أو مجرد نشاط توعوي إضافي، بل أصبحت ضرورة لتعظيم استفادة الأفراد من الموارد المتاحة، ومساعدتهم على اتخاذ قرارات مالية أكثر كفاءة، فضلًا عن دورها في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز فرص ازدهار الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن الهيئة تعمل على تحويل نشر الثقافة المالية من جهود توعوية متفرقة أو موسمية إلى منظومة مؤسسية مستدامة لبناء القدرات، تربط المعرفة بالتطبيق العملي، وتعزز قدرة المواطنين على الاستفادة الآمنة من الخدمات والمنتجات المالية غير المصرفية، وذلك من خلال استراتيجية متكاملة ترتكز على خمسة محاور رئيسية.

المحور الأول.. إدراج الثقافة المالية في المناهج الدراسية

وفيما يتعلق بالمحور الأول، الخاص بالمناهج الدراسية، استعرض مساعد رئيس الهيئة جهود التعاون مع المجلس الأعلى للجامعات ووزارتي التعليم العالي والبحث العلمي، والتربية والتعليم والتعليم الفني، والتي أسفرت عن إدراج منهج للثقافة المالية لطلاب الصف الثاني الثانوي.

ويستهدف المنهج تعريف الطلاب بالمفاهيم الأساسية للادخار والاستثمار والأسواق المالية، وإكسابهم المعرفة اللازمة لفهم طبيعة التعاملات المالية، بما يساعد على إعداد جيل أكثر وعيًا بالقرارات الاقتصادية والاستثمارية.

وأوضح أن الجانب التطبيقي من المنهج يستهدف إتاحة تجربة تعليمية تحاكي التداول في البورصة المصرية، من خلال محافظ استثمارية افتراضية يتدرب الطلاب باستخدامها على عمليات البيع والشراء، وفهم حركة السوق وآليات اتخاذ القرارات الاستثمارية.

وأشار إلى أن الهيئة تدرس إتاحة فرص للاستثمار الفعلي في مرحلة لاحقة، بما يسمح للطلاب باختبار قدرتهم على تطبيق ما تعلموه، وتحقيق الربط بين المعرفة النظرية والتجربة العملية، في إطار تعليمي يساعدهم على اكتساب مهارات مالية مبكرة.

المحور الثاني.. تبسيط المفاهيم المالية وتعريف المواطنين بحقوقهم

أما المحور الثاني، فيركز على تبسيط المصطلحات والمفاهيم المالية، من خلال إعداد وإطلاق كتيبات تعريفية بالأنشطة المالية غير المصرفية، تشرح طبيعة الخدمات والمنتجات وآليات عملها بلغة واضحة ومبسطة، تناسب المتخصصين وغير المتخصصين.

وأكد الدكتور محمد عبد العزيز أهمية أن تعمل المؤسسات ذات الصلة على تيسير عرض البيانات والأرقام المالية وتقريبها إلى المعرفة العامة، بما يساعد المواطنين على فهم طبيعة الخدمات المتاحة، والمقارنة بين البدائل المختلفة، والتعرف على حقوقهم والتزاماتهم قبل اتخاذ القرارات المالية.

وأشار إلى أن توسيع قاعدة المتعاملين في الأسواق المالية يجب أن يقوم على المعرفة والفهم، وليس فقط على إتاحة الخدمات والمنتجات، بما يعزز قدرة المواطنين على الاختيار الواعي، ويحد من احتمالات تعرضهم لممارسات غير سليمة نتيجة نقص المعلومات أو صعوبة فهم المصطلحات المالية.

المحور الثالث.. توظيف التكنولوجيا المالية وتوسيع فرص الوصول للخدمات

ويرتبط المحور الثالث بالآثار الإيجابية للتوسع في استخدام التكنولوجيا المالية، وما توفره من فرص أكبر لإتاحة الخدمات المالية لمختلف فئات المجتمع، ولا سيما الشباب، من خلال الحلول الرقمية التي تسهل الوصول إلى المنتجات والخدمات المالية غير المصرفية.

وفي المقابل، تفرض هذه التطورات ضرورة تعزيز الوعي بالمخاطر المرتبطة بالاحتيال الرقمي وإساءة استخدام البيانات الشخصية، بما يضمن الاستفادة من التطور التكنولوجي مع الحفاظ على سلامة التعاملات المالية وحماية المستخدمين.

وتؤكد استراتيجية الهيئة في هذا الجانب أهمية تحقيق التوازن بين التوسع في إتاحة الخدمات الرقمية ورفع مستوى الوعي بأساليب استخدامها الآمن، بما يعزز الثقة في الخدمات المالية الحديثة، ويدعم مشاركة شرائح أوسع من المواطنين في الأنشطة المالية والاستثمارية.

المحور الرابع.. حملات توعية لمواجهة الاحتيال المالي والتضليل الرقمي

وأوضح مساعد رئيس الهيئة أن المحور الرابع يركز على تكثيف حملات التوعية المالية والمحاضرات في المحافظات والجامعات، لتعريف المواطنين بقواعد التعامل الآمن، والقنوات الاستثمارية الخاضعة للرقابة، وسبل الاستفادة من الأنشطة المالية غير المصرفية وتعظيم إسهامها في التنمية الاقتصادية.

وأشار إلى أن أحدث هذه الجهود تمثل في مؤتمر «بناء القدرات من أجل تعزيز التنمية – اعرف تستفيد»، الذي عُقد في الإسكندرية يوم الخميس 15 أكتوبر الجاري، تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء، بهدف تعزيز الوعي بالخدمات المالية ودعم بناء القدرات لدى مختلف الفئات المستهدفة.

وشدد على أهمية توعية المواطنين بعدم مشاركة البيانات الشخصية أو بيانات الدخول ورموز التحقق مع الآخرين، وضرورة التأكد من حصول الجهات التي يتعاملون معها على التراخيص اللازمة من الهيئة العامة للرقابة المالية.

وأكد أن هذه الإجراءات تكتسب أهمية متزايدة في ظل تطور أساليب الخداع الرقمي، التي تشمل انتحال صفة المؤسسات المالية، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مضلل يستهدف التأثير في قرارات الأفراد واستغلال ثقتهم.

ولفت إلى أن نشر الثقافة المالية يتطلب تعاونًا مستمرًا بين الجهات الرقابية والمؤسسات التعليمية والجهات العاملة في السوق، لترسيخ ممارسات الادخار والاستثمار المنتظم، ومساعدة الأفراد على تخصيص جزء من دخولهم بما يتناسب مع قدراتهم والتزاماتهم المالية وأهدافهم طويلة الأجل.

المحور الخامس.. تشجيع المواطنين على الانتقال من الادخار إلى الاستثمار

ويستهدف المحور الخامس الانتقال التدريجي من الادخار إلى الاستثمار، من خلال تغيير الثقافة المالية للمواطنين وتشجيعهم على اتخاذ قرارات استثمارية سليمة ومتدرجة، حتى وإن بدأت بمبالغ بسيطة، مع توجيههم إلى القنوات الاستثمارية الآمنة والخاضعة للرقابة، بدلًا من الممارسات السلبية المنتشرة في الأسواق.

وأوضح الدكتور محمد عبد العزيز أن الاحتفاظ بالأموال دون استثمارها قد يؤدي إلى تراجع قدرتها الشرائية بمرور الوقت، خاصة في ظل تأثير التضخم على قيمة المدخرات، مشيرًا إلى أهمية توعية المواطنين بالبدائل الاستثمارية المتاحة وخصائصها ومخاطرها.

واستشهد في هذا السياق بالتغير الذي طرأ على القيمة المقابلة للذهب بالجنيه المصري، موضحًا أن قيمة 37 كيلوجرامًا من الذهب عام 1990 تعادل اليوم نحو 156 جرامًا فقط، في مثال يعكس التغير الكبير في القيمة النسبية للأصول عبر الزمن، وأهمية فهم أثر التضخم وتغيرات الأسعار في القرارات المالية.

وأكد أن الهدف يتمثل في ترسيخ ثقافة مالية تساعد المواطنين على اتخاذ قرارات مدروسة تتناسب مع دخولهم واحتياجاتهم، وتحقق التوازن بين متطلبات الإنفاق والادخار والاستثمار، بما يدعم الاستقرار المالي للأفراد والأسر.

«أسبوع المستثمر العالمي» يركز على المرونة المالية ومخاطر الاحتيال

ويُذكر أن «أسبوع المستثمر العالمي» يركز هذا العام على ثلاثة موضوعات رئيسية، يأتي في مقدمتها تعزيز مرونة المستثمر من خلال تشجيع التخطيط المالي طويل الأجل، والتعامل الواعي مع تقلبات الأسواق، بما يساعد المستثمرين على اتخاذ قرارات أكثر اتزانًا في مواجهة التغيرات الاقتصادية.

ويتمثل الموضوع الثاني في الخداع الرقمي، مع التركيز على التوعية بمخاطر التضليل والتزييف باستخدام التقنيات الحديثة، فيما يتناول الموضوع الثالث أساليب الاحتيال المالي وسبل الوقاية منها، بما يعزز قدرة المستثمرين على حماية أموالهم وبياناتهم والتعامل مع المؤسسات المالية بصورة أكثر أمانًا.

وتُعد المبادرة فعالية سنوية تنظمها المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية (الأيوسكو – IOSCO)، التي تضم هيئات الرقابة على أسواق الأوراق المالية من مختلف دول العالم، وتعمل على تطوير المعايير والممارسات الرقابية الدولية.

وتهدف المبادرة إلى تعزيز معرفة المستثمرين بالفرص والمخاطر المرتبطة بالأسواق المالية، وترسيخ ممارسات الاستثمار المسئول، ودعم قدرتهم على حماية حقوقهم واتخاذ قرارات تستند إلى معلومات موثوقة وفهم واضح لطبيعة الأدوات المالية.

ويتولى الدكتور إسلام عزام حاليًا منصب نائب رئيس مجلس إدارة المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية، بحكم منصبه رئيسًا للجنة الأسواق النامية والناشئة (GEMC)، بما يعكس مشاركة الهيئة في جهود تطوير الممارسات الرقابية وتعزيز التعاون الدولي في الأسواق المالية.

الرقابة المالية تؤكد استمرار جهود حماية المستثمرين ودعم رؤية مصر 2030

وأكدت الهيئة العامة للرقابة المالية، بصفتها الجهة الرقابية والتنظيمية للقطاع المالي غير المصرفي في مصر، التزامها بمواصلة التعاون مع البورصة المصرية ومختلف الشركاء لتعزيز الوعي المالي، وحماية المستثمرين، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات والمنتجات المالية.

وتستهدف هذه الجهود دعم قدرة المواطنين على اتخاذ قرارات مالية واستثمارية قائمة على المعرفة، وتعزيز الثقة في الأسواق، وترسيخ مبادئ الاستثمار المسئول، إلى جانب تعظيم إسهام القطاع المالي غير المصرفي في الاقتصاد الوطني.

وتأتي استراتيجية الهيئة في إطار دعم توجهات الدولة نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والثقة والاستدامة، وتعزيز الشمول المالي والاستثماري، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية مصر 2030» الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة ورفع كفاءة المؤسسات والأسواق.