واشنطن توقف تدريب القوات العراقية وقطع غيار F-16.. ما أسباب التصعيد مع بغداد؟

ترامب وعلي الزيدي رئيس الوزراء العراقي

كتبت شيماء حمدالله 


كشفت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة علّقت برامج تدريب القوات المسلحة العراقية، وأوقفت توفير قطع غيار وتكنولوجيا لطائرات F-16 الأميركية التي يستخدمها الجيش العراقي، في خطوة تعكس تراجعاً في مستوى التعاون العسكري بين واشنطن وبغداد، رغم استمرار التنسيق الاستخباراتي لمكافحة تنظيم «داعش».


وبحسب ما نقلته وسائل إعلام يأتي هذا التطور وسط تزايد الإحباط الأميركي من أداء حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خصوصاً فيما يتعلق بالحد من النفوذ الإيراني ومكافحة الفساد المالي، بالتزامن مع انتقال العلاقات بين البلدين إلى مرحلة جديدة بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق.


 الولايات المتحدة تعلق التدريب العسكري وتجمّد دعم طائرات F-16


أفادت مصادر خاصة بأن واشنطن أوقفت التعاون التدريبي مع القوات العراقية، وعلّقت برامج التدريب الأميركية المخصصة للعسكريين العراقيين، كما رفضت خلال الأسابيع الأخيرة توفير قطع غيار وتكنولوجيا لازمة لتشغيل وصيانة مقاتلات F-16 الأميركية الصنع التي يمتلكها العراق.


ورغم هذه الإجراءات، أكدت المصادر استمرار التعاون الاستخباراتي بين الجانبين لمواجهة تنظيم «داعش»، ما يشير إلى أن التراجع يتركز على جوانب من التعاون العسكري والفني، دون أن يعني توقف جميع قنوات التنسيق الأمني.


ولم يصدر حتى الآن موقف رسمي أميركي يوضح أسباب تعليق هذه البرامج أو طبيعة الإجراءات المتخذة، بينما تعكس التصريحات المنقولة عن مسؤولين أميركيين تبايناً بين التأكيد على مواصلة التعاون مع بغداد، والاستياء من عدم تحقيق النتائج التي كانت واشنطن تتوقعها من الحكومة العراقية.


واشنطن تنتقل من الوجود العسكري المباشر إلى العلاقة الثنائية


أكد مسؤول أميركي، في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام، أن الولايات المتحدة قدمت، بالتعاون مع حلفائها، تضحيات كبيرة في الحرب ضد تنظيم «داعش»، مشيراً إلى أن مستوى التهديد الذي يمثله التنظيم تراجع، وأن القوات العراقية باتت تمتلك الإرادة والقدرة والقيادة اللازمة لمواجهة ما تبقى من خطره.


وأوضح المسؤول أن واشنطن تتجه إلى مرحلة جديدة تقوم على نقل التحالف من العراق والانتقال إلى علاقة ثنائية مع الحكومة العراقية، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع العراقيين، مع متابعة تطورات العلاقة بين الطرفين.


وكانت القوات الأميركية قد انسحبت من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة العراقية بنهاية سبتمبر 2025، قبل استكمال الانسحاب من إقليم كردستان العراق، وفقاً للتقرير.


ويمنح هذا الانسحاب القوات الأميركية حماية أكبر من الهجمات التي قد تستهدف مواقعها داخل الأراضي العراقية، ولا سيما في حال تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران. 


لكنه يفرض على الولايات المتحدة التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية العراقية عن بُعد، مع اعتماد أكبر على القنوات الدبلوماسية والتنسيق الاستخباراتي.


 النفوذ الإيراني والفساد يثيران إحباط الإدارة الأميركية


تتزايد، وفقاً للمصادر التي تحدثت إلى وسائل إعلام الشكوك الأميركية بشأن قدرة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على تقليص نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والحد من تأثير طهران داخل مؤسسات الدولة العراقية.


وترى شخصيات مطلعة أن الحكومة العراقية تواجه صعوبات في فرض سياساتها بالقدر المطلوب، في وقت يستمر فيه الفساد المالي والهدر، وسط اتهامات باستفادة إيران من الأموال العراقية وعمليات تهريب الأموال.


وفي هذا السياق، تضغط وزارة الخزانة الأميركية على بغداد لضبط الإنفاق ومنع وصول الأموال إلى إيران، كما تدعو العراق إلى المشاركة في جهود الحصار المالي والاقتصادي المفروض على طهران، دون أن تقدم، بحسب التقرير، نتائج ملموسة تلبي التوقعات الأميركية.


وبدا أن بغداد استجابت لبعض المطالب الأميركية عندما منعت الطيران الإيراني من استخدام المطارات العراقية، إلا أن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ناقش، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، مسألة السماح للطائرات الإيرانية بالوصول إلى مطار النجف، وفقاً لما أورده التقرير.


 الميليشيات الموالية لإيران تزيد تعقيدات المشهد الأمني


تمثل الفصائل المسلحة الموالية لإيران أحد الملفات الحساسة في العلاقات الأميركية العراقية، خصوصاً مع استمرار المخاوف من تعرض المصالح الأميركية لهجمات في حال اندلاع مواجهة جديدة بين واشنطن وطهران.


وبعد انسحاب القوات الأميركية من الأراضي العراقية، باتت واشنطن أقل عرضة لاستهداف قواعدها وثكناتها داخل العراق، لكنها لا تزال مطالبة بالتعامل مع تداعيات النفوذ الإيراني والتطورات الأمنية من خلال وجودها الدبلوماسي، ولا سيما سفارتها في بغداد، إلى جانب قنوات الاتصال والتعاون الاستخباراتي.


ويزيد هذا الوضع من صعوبة إدارة العلاقة بين البلدين، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من نفوذ طهران، بينما تواجه الحكومة العراقية توازنات سياسية وأمنية داخلية معقدة.


 انتقادات عراقية لخطوات الحكومة وأدائها


لا يقتصر الإحباط على الجانب الأميركي، إذ تشير شخصيات سياسية وغير سياسية إلى وجود تيارات عراقية تطالب رئيس الوزراء بتعزيز استقلال القرار الوطني، وتقليص الهيمنة الخارجية على مؤسسات الدولة.


لكن هذه الشخصيات وصفت خطوات الزيدي بأنها «مستعجلة وغير مدروسة»، معتبرة أنها لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن. 


كما أعربت عن مخاوفها من إحاطة رئيس الوزراء بشخصيات وطبقات سياسية تستفيد من الهدر والفساد، بالتزامن مع استمرار محاولات إيران توسيع نفوذها داخل المجتمع العراقي والمؤسسات الوطنية.


وأشار أحد المتحدثين إلى أن النظام الديمقراطي العراقي لا يزال يعاني ضعفاً يحد من قدرته على إنتاج حكومة قوية تستطيع مواجهة النفوذ الإيراني والفساد المالي.


وفي الجانب الاقتصادي، يثير انتشار السلع الإيرانية منخفضة التكلفة مخاوف بشأن اتساع النفوذ الاقتصادي لطهران داخل السوق العراقية، بالتوازي مع استمرار الخلافات بشأن حركة الأموال والتبادل التجاري.


لماذا تسعى واشنطن إلى تجنب أزمة جديدة مع العراق؟


رغم التوترات المتزايدة، تبدو الولايات المتحدة حريصة على الحفاظ على قدر من الهدوء في العراق، في وقت تواجه فيه تحدياً أكبر يتعلق بإدارة المواجهة مع إيران، سواء عبر التوصل إلى تسوية سياسية أو اللجوء إلى خيارات عسكرية واسعة.


ووفقاً للتقرير، تدرك الإدارة الأميركية أن فتح جبهتين من الأزمات في وقت واحد سيزيد تعقيدات حساباتها السياسية والأمنية، لذلك تفضّل تجنب تصعيد إضافي مع بغداد بالتزامن مع التعامل مع الملف الإيراني.


وتكشف هذه المعطيات عن مرحلة دقيقة في العلاقات الأميركية العراقية، تتراجع فيها بعض أوجه التعاون العسكري المباشر، بينما يستمر التنسيق الاستخباراتي ضد «داعش». 


ويبقى مستقبل العلاقة مرتبطاً بقدرة الطرفين على إدارة الخلافات بشأن النفوذ الإيراني والفساد والأمن، دون الوصول إلى مواجهة أوسع تهدد الاستقرار العراقي.