عقوبات ترامب تحاصر الجنائية الدولية.. المحكمة تستنجد بالدول الأعضاء ونتنياهو يصفها بـ«التهديد الوجودي»

عقوبات أميركية على الجنائية الدولية

كتبت شيماء حمدالله 


صعّدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مواجهتها مع المحكمة الجنائية الدولية، بعد فرض عقوبات جديدة تستهدف المؤسسة وشركات تقدم لها خدمات، في خطوة أثارت اعتراضات أوروبية وتحذيرات من تداعياتها على استقلال العدالة الدولية. 


وردّت المحكمة بدعوة الدول الأعضاء إلى التدخل لضمان استمرار عملها، مؤكدة أن العقوبات تمثل اعتداءً على سيادة القانون ومحاولة لعرقلة أداء مهامها القضائية.


وفي المقابل، أعلن الاتحاد الأوروبي رفضه للخطوة الأمريكية، مجدداً دعمه لاستقلال المحكمة، بينما رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالعقوبات، واعتبر أن المؤسسة تمثل تهديداً وجودياً للديمقراطيات، في تصعيد جديد للخلاف بشأن اختصاص المحكمة وملاحقاتها القضائية.


 المحكمة الجنائية الدولية تطالب الدول الأعضاء بالتدخل


دعت المحكمة الجنائية الدولية، الجمعة 9 أكتوبر 2026، الدول الأعضاء إلى ضمان قدرتها على مواصلة عملها، عقب إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة تستهدف المحكمة والجهات التي تقدم لها الدعم والخدمات.


وقالت المحكمة، في بيان، إن الإجراءات الأمريكية تمثل محاولة لعرقلة مسار العدالة ومنعها من أداء المهام التي أُنشئت من أجلها، معتبرة أن استهداف المؤسسة يقوض سيادة القانون وأسس النظام القانوني الدولي.


وأكدت المحكمة تمسكها بمواصلة تنفيذ ولايتها القضائية، التي تشمل التحقيق في الجرائم الدولية وملاحقة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجريمة العدوان، وفقاً لاختصاصها القانوني.


وشددت في الوقت نفسه على أنها لا تستطيع الاستمرار في أداء مهامها بمعزل عن دعم الدول الأعضاء، داعية هذه الدول إلى توفير الإمكانات اللازمة لحماية عملياتها وضمان استمرار التحقيقات والملاحقات القضائية.


وتضع هذه التطورات الدول الأطراف في نظام روما الأساسي أمام تحديات تتعلق بكيفية دعم المحكمة والحفاظ على استقلالها في مواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية.


 الاتحاد الأوروبي يعترض على عقوبات ترامب ضد المحكمة


على الجانب الأوروبي، وصف الاتحاد الأوروبي إعلان واشنطن اعتزامها فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بأنه «مؤسف للغاية»، مؤكداً تمسكه باستقلال المؤسسة وضمان استمرار عملها بفاعلية.


وقالت المفوضية الأوروبية، في بيان صدر الجمعة، إن الاتحاد سيعمل بالتعاون مع المحكمة والدول الـ125 الأطراف في نظام روما الأساسي لحماية استقلالها ومهمتها القضائية.


وأكدت المفوضية استعداد التكتل لاتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمرار التحقيقات والملاحقات القضائية المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب حماية مصالح الجهات الأوروبية داخل السوق الموحدة.


وأشارت إلى أن العقوبات لن تدخل حيز التنفيذ قبل مرور ستة أشهر، وهو ما يتيح، بحسب الموقف الأوروبي، فرصة لمواصلة الحوار مع واشنطن، مع الاحتفاظ بالاستعداد لاتخاذ خطوات تحمي عمليات المحكمة.


ويعكس الموقف الأوروبي تمسكاً باستمرار عمل المحكمة، وسط مخاوف من أن تؤثر العقوبات على قدرتها على تنفيذ مهامها، خاصة إذا امتد تأثيرها إلى الشركات التي توفر لها خدمات أساسية.


 نتنياهو يرحب بعقوبات واشنطن ويهاجم المحكمة الجنائية الدولية


في المقابل، رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو فرض العقوبات الجديدة على المحكمة الجنائية الدولية.


وقال نتنياهو، في منشور عبر منصة «إكس»، إن المحكمة «ليست محكمة، بل هيئة سياسية تشكل تهديداً وجودياً للديمقراطيات الملتزمة بالقانون في أنحاء العالم، ولمبدأ السيادة الوطنية»، وفق تعبيره.


كما وجّه الشكر إلى ترامب وروبيو على القرار، في موقف يعكس اعتراض الحكومة الإسرائيلية على تحركات المحكمة المتعلقة بمسؤولين إسرائيليين، من بينهم نتنياهو نفسه.


ويأتي هذا الترحيب في وقت تتواصل فيه الخلافات بشأن اختصاص المحكمة في التحقيق والملاحقة القضائية للمتهمين بارتكاب جرائم تدخل ضمن ولايتها، ومدى قبول الدول المعنية بقراراتها وإجراءاتها.


 واشنطن توسع نطاق العقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية


تجاوزت الإجراءات الأمريكية الجديدة، وفق المعلومات الواردة، العقوبات السابقة التي استهدفت مسؤولين وقضاة في المحكمة، لتشمل المؤسسة ذاتها وشركات تقدم لها خدمات، في مسعى للحد من الموارد المتاحة لها وتقليص قدرتها على العمل.


وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن واشنطن لن تسمح للمحكمة بملاحقة مواطنين أمريكيين، واصفاً إياها بأنها «محكمة مارقة»، ومؤكداً أن العقوبات تستهدف قطع الموارد عنها والحد من قدرتها على تنفيذ أنشطتها.


وتعارض الولايات المتحدة تحركات المحكمة المتعلقة بمسؤولين إسرائيليين، كما سبق أن رفضت تحقيقات أجرتها المحكمة بشأن أفعال جنود أمريكيين في أفغانستان، قبل إغلاق التحقيق الأخير لاحقاً، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».


وفي سبتمبر الماضي، أكدت المحكمة اتخاذ إجراءات لحماية عملياتها من تداعيات العقوبات الأمريكية المحتملة. 


وأوضحت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، أن المؤسسة اتخذت سلسلة من التدابير للتحصن من أي إجراءات قد تستهدف المحكمة بأكملها.


125 دولة أمام اختبار حماية العدالة الدولية


تضم المحكمة الجنائية الدولية 125 دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، بينما لا تنتمي الولايات المتحدة إلى هذا النظام، وهو ما يضع الخلاف الحالي في سياق أوسع يتعلق بحدود الاختصاص القضائي للمحكمة وعلاقتها بالدول غير الأطراف.


وتثير العقوبات الجديدة تساؤلات بشأن قدرة المحكمة على مواصلة التحقيقات والملاحقات القضائية إذا تأثرت الجهات التي تقدم لها الخدمات والدعم، فضلاً عن طبيعة الإجراءات التي يمكن للدول الأعضاء اتخاذها لحماية استقلال المؤسسة.


وبين التصعيد الأمريكي والاعتراض الأوروبي والترحيب الإسرائيلي، تواجه المحكمة تحدياً جديداً يتعلق باستمرارية عملها وفاعلية دورها في ملاحقة الجرائم الدولية. 


ويبقى موقف الدول الأعضاء وقدرتها على توفير الدعم اللازم عاملاً مهماً في تحديد مدى تأثير العقوبات على عمليات المحكمة خلال الفترة المقبلة.