هدي كريمي تكتب: من بغداد إلى طهران.. كيف تحوّلت أحكام الشريعة إلى قوانين تقيّد حقوق المرأة؟

هدي كريمي صدر محللة إيرانية

كتبت شيماء حمدالله 

من بغداد إلى طهران، تتباين التجارب القانونية والسياسية، لكن حقوق النساء تقف في مواجهة إشكالية واحدة: كيف تتحول التفسيرات الدينية إلى قواعد قانونية ملزمة تؤثر في الزواج والطلاق والحضانة والحماية من العنف؟


في العراق، تصاعدت احتجاجات نسائية على مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري، التي دخلت حيز التطبيق بعد نشرها في الجريدة الرسمية في أكتوبر 2025. 


وفي إيران، بقي مشروع قانون كان يستهدف حماية النساء من العنف يتنقل لسنوات بين مؤسسات الدولة، قبل أن تتجه الحكومة إلى طلب سحبه من البرلمان.


وتكشف التجربتان، رغم اختلاف مساريهما، عن صراع أوسع حول موقع المرأة داخل منظومة قانونية تستند إلى الشريعة في تنظيم جوانب أساسية من حياتها.


احتجاجات النساء في العراق ضد المدونة الجعفرية


خلال الأسبوع الأول من أكتوبر 2026، وبالتزامن مع مرور عام على نشر المدونة الجعفرية، عادت قضية حقوق المرأة إلى واجهة النقاش في العراق.


وفي الثالث من أكتوبر، تزامناً مع اليوم الوطني العراقي، عبّرت نساء عراقيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن رفضهن للأحكام الجديدة، مستخدمات شعارات من بينها: «لا نحتفل بوطن يظلم نصفه» و«نرفض المدونة الجعفرية».


وتأتي هذه الاحتجاجات اعتراضاً على أحكام تقول ناشطات ومنظمات حقوقية إنها تهدد بعض المكتسبات التي حققتها النساء العراقيات خلال عقود من المطالبة بتعزيز حقوقهن القانونية.


المدونة الجعفرية أُقرت ضمن الإطار القانوني المعدل للأحوال الشخصية، وتتناول قضايا الزواج والطلاق والنفقة والميراث والحضانة وفق أحكام المذهب الجعفري. 


وتوضح نصوص المدونة أن المادة 81 تجعل حضانة الطفل للأم خلال السنوات الأولى، ثم تنتقل إلى الأب بعد بلوغ الطفل سن السابعة. 


كما تنص المادة 83 على سقوط حق الأم في الحضانة إذا تزوجت من رجل آخر في حالات الانفصال قبل بلوغ الطفل السابعة.


الحضانة والزواج.. أبرز نقاط الجدل حول القانون العراقي


أصبحت أحكام الحضانة تحديداً واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل.


فالمادة 81 تنص على استمرار حضانة الأم حتى بلوغ الطفل سبع سنوات، قبل انتقالها إلى الأب، بينما تربط المادة 83 بين زواج الأم مرة أخرى وفقدان حقها في الحضانة. 


وتقول منظمات حقوقية إن هذه القواعد قد تجعل الوضع العائلي للأم عاملاً مؤثراً في حقها في رعاية أطفالها.


كما أثارت إمكانية تطبيق أحكام المدونة على بعض عقود الزواج السابقة جدلاً قانونياً، بعدما وثقت تقارير حالات لجأ فيها أزواج إلى طلب تطبيق الأحكام الجعفرية بأثر رجعي على عقود قائمة. 


وتناولت دراسة حقوقية حالة امرأة قالت إن زوجها السابق تقدم بطلب لتطبيق المدونة على عقد زواجهما وإنهاء حضانتها لابنهما.


وفي المقابل، ترى الجهات المؤيدة للمدونة أنها توفر إطاراً قانونياً لمن يرغبون في تنظيم أحوالهم الشخصية وفق المذهب الجعفري، وهو ما أقرّه التعديل القانوني العراقي لعام 2025.


حملات تشهير وتهديد ضد ناشطات عراقيات


لم تتوقف المواجهة عند حدود النقاش القانوني.


فبحسب تقرير استقصائي نُشر في السادس من أكتوبر، تعرضت ناشطات معارضات للمدونة لحملات تشهير عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما نشرت إحدى القنوات على تطبيق تلجرام صور عدد من النساء وأسماء حساباتهن، إلى جانب اتهام منظمات نسوية بعبارات تستهدف تشويه صورتها.


وتضيف هذه الحملات بُعداً آخر إلى القضية، إذ تجد النساء اللواتي يعترضن على بعض الأحكام القانونية أنفسهن أمام ضغوط اجتماعية ورقمية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بالأمان الشخصي.


إيران.. قانون حماية النساء عالق لأكثر من عقد


على الجانب الآخر، تقدم إيران مساراً مختلفاً في الشكل، لكنه يتقاطع مع الحالة العراقية في قضية حقوق النساء.


فمشروع قانون حماية النساء من العنف بدأ مساره التشريعي منذ عام 2011، وخضع خلال السنوات التالية لسلسلة طويلة من المراجعات والتعديلات وتغيير الاسم والمضمون، وانتقل بين الحكومة والقضاء والبرلمان. وتشير مصادر حقوقية ودولية إلى أن المشروع شهد تعديلات واسعة على مواده خلال مراحل المراجعة.


وبحسب تقارير حديثة، كان المشروع قد خضع لتغييرات جوهرية مقارنة بصيغته الأولى، فيما أُزيلت أو عُدلت بعض المواد المتعلقة بالحماية من العنف. وفي يونيو 2026، أكدت المتحدثة باسم الحكومة تقديم طلب رسمي إلى البرلمان لسحب المشروع بصورة كاملة.


وهكذا، بدلاً من تحول المشروع إلى قانون شامل ونافذ يوفر حماية قانونية للنساء من العنف، ظل ملفه لسنوات عالقاً بين المؤسسات والخلافات السياسية والقانونية.


بغداد وطهران.. اختلاف المسار وتشابه الإشكالية


تبدو الصورة مختلفة بين البلدين، في العراق، تحولت أحكام مستمدة من الفقه الجعفري إلى قواعد قانونية قابلة للتطبيق في قضايا الأحوال الشخصية، بينما بقي مشروع كان يستهدف توفير حماية قانونية للنساء من العنف في إيران دون أن يتحول إلى قانون شامل ونافذ.


لكن القاسم المشترك بين التجربتين هو حضور التفسيرات الدينية في صياغة القواعد التي تنظم حياة النساء والأسرة.


وتثير هذه المسألة سؤالاً أساسياً حول العلاقة بين الشريعة والقانون وحقوق المرأة: عندما تصبح قراءة دينية محددة جزءاً من التشريع، كيف يمكن ضمان المساواة القانونية بين المواطنين، خصوصاً في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والحماية من العنف؟


هل تحمي قوانين الأسرة المرأة أم تحافظ على بنية السلطة؟


يطرح المدافعون عن التشريعات الدينية في قضايا الأسرة مفهوم حماية الأسرة باعتباره أحد أهداف هذه القوانين.


لكن الجدل الحقوقي يترك سؤالاً آخر مفتوحاً: هل تتحقق حماية الأسرة إذا كانت المرأة لا تتمتع بالحقوق القانونية نفسها في القرارات المتعلقة بحياتها الزوجية وأطفالها وأمنها؟


في العراق، تدور المواجهة حول أحكام الحضانة والزواج والطلاق وغيرها من مسائل الأحوال الشخصية. وفي إيران، تتركز القضية على غياب إطار قانوني شامل لمواجهة العنف ضد النساء، في وقت لا يزال مشروع القانون يواجه مصيراً متقلباً بين السحب والمراجعة.


وتشير هذه التطورات إلى أن النقاش لم يعد مقتصراً على البرلمانات والمحاكم، بل امتد إلى الشارع والمنصات الرقمية وحياة الأسر نفسها.


من بغداد إلى طهران.. معركة حقوق النساء مستمرة


احتجاجات النساء العراقيات خلال الأيام الأخيرة، وما رافقها من حملات تشهير وتهديد، تؤكد أن الجدل حول المدونة الجعفرية تجاوز حدود النصوص القانونية.


الأمر نفسه ينطبق على إيران، حيث تحولت رحلة مشروع قانون حماية النساء من العنف إلى نموذج لمسار تشريعي طويل شهد تغييراً في الاسم والمضمون والجهة التي تتولى مراجعته، قبل أن تتجه الحكومة إلى طلب سحبه.


ومن بغداد إلى طهران، لا تبدو القضية مرتبطة بقانون واحد فقط، وإنما بمنظومات قانونية وسياسية تتعامل مع حقوق النساء من خلال تفسيرات دينية وقواعد أسرية تختلف في تفاصيلها وآليات تطبيقها.


وعندما يصبح التمييز، بحسب منتقدي هذه القوانين، جزءاً من الإطار القانوني بدلاً من أن يكون القانون وسيلة للحد منه، فإن حماية المرأة لا تعود قضية أسرية خاصة، بل تتحول إلى قضية تشريعية وحقوقية عامة.


فالتمييز لا يبدأ دائماً داخل المنزل؛ أحياناً يُكتب أولاً على طاولة المشرّعين.