كتبت شيماء حمدالله
فتح تجدد المواجهات العسكرية بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي في شمال إثيوبيا منذ 23 سبتمبر، الباب أمام 3 سيناريوهات محتملة لمسار الصراع، تتراوح بين استئناف الحوار ووقف التصعيد، واستمرار القتال بوتيرة محدودة، وصولًا إلى تصاعد التدخلات الإقليمية واتساع نطاق الأزمة خارج الحدود الإثيوبية.
وبحسب دراسة بحثية أعدها الباحث السعودي محمد بن منخير، فإن عودة القتال تكشف استمرار ملفات سياسية وأمنية عالقة، رغم اتفاق السلام الدائم المعروف باسم «اتفاق بريتوريا» الذي أنهى الحرب السابقة في تيغراي.
استئناف الحوار والعودة إلى اتفاق بريتوريا
يتمثل السيناريو الأول في استئناف الحوار بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، مع بقاء اتفاق بريتوريا مرجعًا سياسيًا لتنظيم العلاقة بين الطرفين.
وبموجب هذا المسار، يمكن استئناف ترتيبات نزع السلاح وإعادة دمج مقاتلي الجبهة بصورة تدريجية، بما يساهم في خفض المواجهات وتقليص احتمالات توسع الأزمة إلى دول ومناطق أخرى في القرن الأفريقي.
استمرار القتال وتذبذب السيطرة الميدانية
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار التوتر والمواجهات العسكرية، خصوصًا إذا بقيت الملفات الخلافية دون تسوية.
وتشير الدراسة إلى أن «تذبذب السيطرة الميدانية» قد يؤدي إلى تكرار المواجهات في مناطق تمتد إلى عفر وأجزاء من أمهرا، بينما تستمر الاتهامات بوجود تدخلات خارجية دون أدلة حاسمة.
وقد يؤدي استمرار القتال إلى زيادة المخاطر الأمنية والتجارية المرتبطة بالممرات التي تربط إثيوبيا بجيبوتي والبحر الأحمر.
تصاعد التدخلات الإقليمية
السيناريو الثالث يتمثل في زيادة التدخلات الإقليمية، خصوصًا مع تعطل تنفيذ اتفاق بريتوريا وتصاعد الخلافات السياسية.
وترى الدراسة أن استمرار القتال قد يدفع إلى تشكيل تحالفات مسلحة أكثر تماسكًا في مواجهة الحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات النزوح وتعطل الطرق ومنافذ النقل، بما يزيد احتمالات انتقال تداعيات الصراع الإثيوبي إلى البيئة الأمنية الإقليمية.
كيف بدأ صراع تيجراي؟
تعود جذور الحرب في إقليم تيجراي إلى الفترة بين عامي 2020 و2022، وسط خلافات حول الأراضي وتوزيع الصلاحيات والتنافس بين القوى السياسية والمكونات الإقليمية.
وانتهى الصراع بتوقيع اتفاق السلام الدائم في بريتوريا خلال نوفمبر 2022، برعاية الاتحاد الأفريقي، إلا أن عددًا من الملفات السياسية والأمنية ظل دون تسوية نهائية.
وتأتي عودة المواجهات الحالية بالتزامن مع تحركات جماعات مسلحة لتشكيل تحالف مشترك ضد الحكومة الفيدرالية، إلى جانب امتداد العمليات إلى مناطق في أمهرا وعفر.
أزمة تيجراي تتجاوز الحدود الإثيوبية
وتكتسب التطورات أهمية إقليمية مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وعدد من دول المنطقة، وسط اتهامات متبادلة بشأن التدخل في الصراع.
واتهمت أديس أبابا إريتريا بدعم مقاتلي جبهة تحرير شعب تيجراي، بينما نفت مصر اتهامات التدخل في الشؤون الداخلية لإثيوبيا، مؤكدة أن ما يثار بهذا الشأن مجرد ادعاءات، وأن ما يحدث في تيغراي أزمة داخلية لا علاقة للقاهرة بها.
وتشير الدراسة إلى أن توتر العلاقات الإثيوبية مع إريتريا والسودان ومصر يضيف أبعادًا إقليمية إلى الأزمة، خصوصًا مع أهمية مناطق الصراع بالنسبة إلى الحدود والممرات التجارية المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
عفر والبحر الأحمر في قلب المخاوف
يمثل امتداد العمليات العسكرية إلى إقليم عفر أحد أبرز مصادر القلق، نظرًا إلى موقع المنطقة بالقرب من طرق التجارة والممرات المتصلة بجيبوتي والبحر الأحمر.
وترى الدراسة أن استمرار الاضطرابات في شمال إثيوبيا يرفع المخاطر المتعلقة بأمن خطوط الإمداد وحركة التجارة الإقليمية، خاصة أن شبكات النقل عبر عفر ترتبط بالممرات التي تعتمد عليها التجارة الإثيوبية للوصول إلى جيبوتي والبحر الأحمر.
هل تعود إثيوبيا إلى الحرب الأهلية؟
وتزيد عودة المواجهات من المخاوف بشأن تجدد الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 2020 و2022 بين القوات الحكومية وجبهة تحرير شعب تيجراي، والتي تسببت في وفاة نحو 600 ألف شخص، وفق ما يرد في الدراسة.
وتشير نتائج البحث إلى أن تجدد القتال يعكس محدودية قدرة ترتيبات اتفاق بريتوريا على احتواء الخلافات السياسية والأمنية التي بقيت دون حل، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء الإطار السياسي للاتفاق.
تحالفات مسلحة تعيد تشكيل الصراع
وتخلص الدراسة إلى أن إعادة تشكيل المعارضة المسلحة في إثيوبيا تكشف تحولًا في طبيعة الصراع، مع تشكيل تحالف «القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء» وضم جماعات تنتمي إلى أقاليم ومكونات مختلفة.
ومع ذلك، تبقى التباينات السياسية والتنظيمية والجغرافية بين مكونات التحالف عاملًا مؤثرًا في مدى تماسكه وقدرته على تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.
وبذلك، يبدو مستقبل الأزمة مرتبطًا بقدرة الأطراف الإثيوبية على إعادة تفعيل المسار السياسي ومعالجة الملفات العالقة في إطار اتفاق بريتوريا، بالتوازي مع احتواء التصعيد العسكري ومنع انتقال تداعيات الصراع إلى الممرات التجارية والأمنية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.




